تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ولكنه يعلم بما يوحى قدر ما يوحى ، أترى ذلك الملأ أعلى حتى من الرسول الذي « دَنا فَتَدَلَّى . فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » ؟ كلّا ! حيث الأعلى مكانا ليس هو الأعلى مكانة ، والرسول وهو « أَوَّلُ الْعابِدِينَ » لا ريب أنه أعلى من كل أعلى إلّا ربه الأعلى ! ولأن الرسول ليس ملأً كشخص ، ف « الملأ الأعلى » غير مفضلين عليه ، إلّا على سائر الملإ ، وحتى إذا كان ملأ فهو مستثنى عن مطلق الأعلى . وترى فيم كانوا يختصمون ؟ قد يكون هو الاختصام في خلق الإنسان : « إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . . . » ولكن اين هنا الاختصام إلّا بين إبليس وربه ؟ وليس الرب من الملإ ، ولا إبليس من ملاء عال فضلا عن الأعلى . أو أن اختصامهم مطوي عنه هنا ، مذكور في البقرة : أتجعل فيها . . . ولكنه - أيضا - ليس اختصاما بينهم ، بل سؤال استفهام عن اللّه كيف يجعل فيها من يفسد فيها ؟ . ثم - وعلى أية حال - كيف يختصم الملأ الأعلى وفيم يختصمون ، وهم عباد مكرمون لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ؟ هنا الاختصام - وبقرينه الافتعال - ليس ليعني الخصومة ، وإنما هو الحوار حول الوحي النازل إليهم وما سوف يتنزل ، وتقدّم الوحي عليهم ثم إلى الرسول ، لا يقدّمهم في مكانة الوحي على الرسول ، فما هم إلّا وسائط الوحي الرسالي للرسول « ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » ! . وقد يعني الاختصام - فيما يعنيه - ما علّه حصل من « إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ » كما تلمح له : إذ قال ربك . . . فحار المحتار منهم لذلك الاختيار وحصل الحوار : « إِذْ قالَ رَبُّكَ . . . » .