ويلوح من جوابه كأنه من العالين على آدم : « قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . . . » ولكنه استكبار على اللّه ، تحكيما للقياس الباطل على حكم اللّه .
وترى هنا « العالين » على آدم وقد خلق في أحسن تقويم ؟ أجل ، عالين على آدم لا على كل الناس ، فأهل بيت الرسالة المحمدية هم العالون على آدم ومن فوقه من النبيين ، ولكنهم لو كانوا يؤمرون أن يسجدوا للّه شكرا لما خلق أباهم آدم لما كانوا يتركون ! هنالك صدر الأمر برجم الشيطان الرجيم : « قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ » وما هو مرجع ضمير المؤنث في « منها » ؟ إنه الجنة التي كان فيها آدم :
« فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ » ( 7 : 13 ) دون الرحمة إذ لم يكن الشيطان في الرحمة ولم يسبق ذكر إلّا للجنة ! هنا اللعين يستنظر ربه إلى يوم الدين ، فيستجاب « إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » « 1 » ولو كان هو - فقط - يوم الدين لكان الجواب - كذلك - هو يوم الدين ، وعلّ الوقت المعلوم يعني يوم الدين نهاية ، ويوم القائم مهلة واسعة ، حيث يضيق عليه بين اليومين لأنه من أيام اللّه ، فلا دولة فيه للشيطان مهما كانت له بعض السلطة ! وهنالك يتهدد اللعين الرجيم ذرية آدم ، تحددا لمنهجه وطريقه معهم :
قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . 82 إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ 83 وليس استثناء المخلصين تطوعا منه وتراحما ، ولكن عجزا ، فان اللّه هو الذي أخلصهم : « إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ » إذا فالمخلصون في خطر عظيم وأعظم منهم غيرهم ، والمخلصون لا خطر عليهم .
هامش
( 1 )
. فصلناه في سورة البقرة وغيرها فراجع .