كعادتها لا تزيغ ، وقلوبهم في مكاناتها لا تبلغ الحناجر ، ولكن لماذا « تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا » دون ان ترونها امتحانا وبلاء دون امتهانة لعناء .
زيغ الأبصار هو انحرافها عن حق الإبصار إذ أبصروا الأحزاب هاجمة ، وبلوغ القلوب الحناجر يصور مدى الخوف حيث كادت تزهق به النفوس . . وهذه حالة المجموعة من ضعفاء الايمان والمنافقين ، وأما المؤمنون الحقيقيون « وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً » ( 33 ) .
قصة الأحزاب هنا ترسم مربعا من وسطها للمهاجمين ، وللمؤمنين ، وضعفاء الايمان ، وللمنافقين ، فتوضّح لكل دوره « هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً » ( 11 ) .
في هذه البلية الزلزال نجح أقوياء الايمان : « وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ » وزلزل الإخفاء وبسطاء الايمان : « إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ . . » وبرز كامن النفاق من المنافقين المدعين الايمان « وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ . . » وقد تشمل الكل « هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ . . . » أم وقبلها « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . » فإنهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم ، والبسطاء : « وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » ولكنما الأقوياء آمنوا بقلوبهم كما آمنوا بألسنتهم ففيما بلغت قلوبهم الحناجر قالوا يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله ! هل من شيء نقول فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال :
نعم قولوا : اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا فضرب اللّه وجوه أعدائه بالريح فهزمهم اللّه بالريح » « 1 » وليس ذلك الابتلاء الزلزال للمؤمنين ليختص بما مضى وهم حضور لدى
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 5 : 185 - أخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيدالخدري قال قلنا يوم الخندق يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله ! . . . وفيه اخرج الحاكم وصححه وابن مردوية وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال : لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحد منّا إصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي . . . وفيه اخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال قال رجل لو أدركت رسول اللّه صلى الله عليه وآله لحملته ولفعلت فقال حذيفة لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله فكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه فحانت مني التفاتة فقال صلى الله عليه وآله : ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم جعله اللّه معي يوم القيامة ؟ قال : فما قام منّا انسان قال : فسكتوا ثم عاد فسكتوا ثم قال يا أبا بكر ثم قال استغفر اللّه رسوله ثم قال : ان شئت ذهبت فقال يا عمر فقال استغفر اللّه ورسوله ثم قال صلى الله عليه وآله : يا حذيفة ؟ فقلت : لبيك فقمت حتى أتيت وان جنبيّليضربان من البرد فمسح رأسي ووجهي ثم قال : أئت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم ولا تحدث حدثا حتى ترجع ثم قال : اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه قال فلان يكون أرسلها كان أحب اليّ من الدنيا ، وما فيها قال فانطلقت فأخذت امشي في حمام قال فوجدتهم قد أرسل عليهم ريحا فقطعت اطنابهم وأبنيتهم وذهبت بخيولهم ولم تدع شيئا الا أهلكته قال : وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له ، قال فنظرت فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي قال وكان حذيفة راميا فذكرت رسول اللّه صلى الله عليه وآله لا تحدثن حدثا حتى ترجع قال : فرددت سهمي في كنانتي . .