وهكذا يعيش رسول الهدى جامعا بين صلابة المواجهة لأعداء اللَّه ، وليونته مع سائر عباد اللَّه ، فقد حارب الأعداء طوال ثمان سنين من العهد المدني - باستثناء سنة أولى وأخرى أخيرة - حاربهم زهاء ( 65 ) مرة ، ففي كل خمسين يوما كانت له حرب غير ماضية ومستقبلة ، وهو في نفس الوقت « بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » .
المنافقون يقولون آمنا . . . ثم يتولى فريق منهم
وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) .
ليس الإيمان لعبة يتلهى بها في مقال ، إنما هو تكيّف في النفس انطباعا في القلب ، حالا واقعية تظهر في مقال وفي أعمال ، فأما القول - آمنا - فقط فهو لفظ الإيمان دون واقعه ، وأما عقد القلب دون ظهور في عمل فهو حال الإيمان ولما يستكن في القلب ، وإلّا فأين عمل الإيمان ؟ فإن له صورة الظاهر كما له سيرة الباطن .
« وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ » وحده لا شريك له « وبالرسول » الذي أرسله « 1 » « وأطعنا » اللّه في محكم كتابه « وأطعنا » الرسول فيما أرسل به من سنته الجامعة غير المفرقة ، فهم يدعون مثلث الإيمان المستخلص في ثالث أضلاعه : « وأطعنا » ولكن « ثم يتولى » بعد تلك المقالة « فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » الدعوى « وَما أُولئِكَ » المتولون « بالمؤمنين » حيث التولي عن طاعة اللّه والرسول يكذب دعوى الإيمان ، فإنما الإيمان هو الطاعة على درجاتها فدرجاته ، ثم لا يكون إلّا دعوى الإيمان ! بنفاق ، أم ارتياب بعد إيمان ، أم ضعف
هامش
( 1 ) . وانما فصل الرسول بالباء للفصل بين الايمانين أصالة ورسالة ، ولكي لا يظن أنهما في درجةواحدة أم هما واحد ، رغم الوحدة في الاتجاه