تعم عمل الجانحة إلى عمل الجارحة ، فإن كلا من الإيمان والعمل الصالح حين يفرد عن قرينة يشمل قرينه ، فكما العمل الصالح هو من الإيمان كذلك الإيمان هو من العمل الصالح ، بل هو أقدم وأحرى أن يسمى عملا صالحا ، فقد « خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً » عقيديا وعمليا وكذلك « وَآخَرَ سَيِّئاً » فلم يخلص إيمانهم ولا عملهم عن سوء ، ولأنهم اعترفوا بذنبهم يوم الدنيا ، حيث الاعتراف بعد الموت لا يفيد ، بل وكلّ معترف بسيئاته شاء أم أبي ، وإنما هو الاعتراف قبل الموت ، مما يجعله كأنه تائب ، فان التائب عن الذنب كمن لا ذنب له ، وغير المعترف مذنب ، والمعترف بذنبه عوان بينهما ، ولذلك قد يتوب اللَّه عليه هنا بعد الموت إذا لم يكن مانع عن هذه التوبة الربانية ، وهنا « عَسَى اللَّهُ » بيان لظروف مختلفة في بعضها يتوب اللَّه وفي بعض لا يتوب ، وكل قضية الرحمة الصالحة الربانية « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » .
ولو أن « عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً » اختصا بغير العقيدة والطوية ، ف « آخرون » هم غير العدول من المؤمنين وهم الأكثرية الساحقة منهم ، إذ العدول قلة قليلة ، واللَّه يعد من رجحت حسناته على سيئاته ، ومن يجتنب كبائر السيئات ، يعدهم ومن أشبه ، المغفرة والتكفير ، فلا موقع ل « عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » بل هو الذي وعد التوبة عليهم .
ولقد وردت روايات حول شأن نزولها « 1 » ولكنها كسائر القرآن ليست لتختص
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 3 : 272 عن ابن عباس في الآية قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول اللَّه ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) في غزوة تبوك فلما حضر رجوع رسول اللَّه ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول اللَّه ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى يطلقهم النبي ( صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) ويعذرهم ، قال : وأنا أقسم باللَّه لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون اللَّه هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ، فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللَّه هو الذي يطلقنا فأنزل اللَّه عزّ وجلّ : « وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ » وعسى من اللَّه واجب انه هو التواب الرحيم