أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » ( 2 : 57 ) ، وقد ظلم آدم نفسه فانتقص حاله ومستقبله ! : « رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » . ثم قد يكون الظلم بالنفس دون اقتراف منهي عنه كما في يونس : « سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » ( 21 : 87 ) وفي موسى : « رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي » حيث لم يسبق ليونس نهي عن ذهابه عن قومه مغاضبا مستاء أن عصوا اللّه ، وانما انتقص في دعوته الرسالي إذ ذهب عن قومه ولم يصابر ! . .
واظهر منه ظلم موسى نفسه فإنه قتل القبطي المشرك المقاتل للإسرائيلي الموحّد ، وليس هذا محرما حتى ولو لم يقاتل المشرك فان دمه هدر ، فكيف إذا قاتل الموحد فان مطاردته تصبح واجبة ، فهذا ذنب العصيان عند المشركين : « وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ » ( 26 : 14 ) وطاعة خاطئة عند الموحدين : بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي » فلم يقل غيري وهو قد قتل ، وانما « نفسي » حيث أخر دعوته الرسالية نتيجة قتله القبطي ، إذ كان الأحرى أن يدفعه ولا يقتله حتى لا تتأخر دعوته ، ولكنه « فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ » ( 28 : ) 15 ) فوكزه عمل الرحمان وقد كان مقصودا للدفاع عن الموحد ، وقتله من عمل الشيطان ولم يكن مقصودا حيث يؤخر الدعوة ، وطلب الغفر عن هذا الذنب الظلم لا يعني إلّا ان يستر اللّه على البغضاء الفرعونية حتى يواصل موسى في دعوته .
ومهما يكن هنا وهناك من شيء فليس الظلم من يونس وموسى مسبوقا بنهي ، وان كان مرجوحا وجاه الدعوة الرسالية ، لكن ظلم آدم كان مسبوقا بأشد النهي ، موصوفا بالزلة والغواية والعصيان ، إذا فهو الظلم الحرام مهما كان من أدناه ، وقد هدّد الظالمون العصاة بعدم الفلاح « إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ » ( 6 : 21 ) والهلاك : « هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 29
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٩