الحياة الدنيا وزينتها .
فلأن أكثر الجزاء للمؤمن هو في الآخرة ، وكل جزاء الكافر في الدنيا ، لذلك نرى زهر الحياة الدنيا لأهليها أكثر من أهل الآخرة ، وهنا نعرف المعني مما يروى أن « الدنيا سجن للمؤمن وجنة للكافر » .
ذلك « وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى ، لا يبصر مما وراءها شيئا ، والبصير ينفذها بصره ، ويعلم أن الدار وراءها ، فالبصير منها شاخص ، والأعمى إليها شاخص ، والبصير منها متزود والأعمى لها متزود » ( الخطبة 133 ) .
فالحياة الدنيا هي لأهلها المبصرين إليها معمية ، وللمتذرعين بها إلى الحياة الأخرى المبصرين بها مبصرة ، فالدنيا في حد ذاتها ليست بمذمومة ولا ممدوحة ، وإنما هي مدرسة ينجح فيها جماعة ويسقط آخرون ، ف : « أيها الذام للدنيا ، المغتر بغرورها ، المنخدع بأباطيلها ، أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ متى استهوتك أم متى غرتك ؟ أبمصارع آباءك من البلى ، أم بمصارع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ؟ وكم مرضت بيديك تبتغي لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطباء ، غداة لا يغني عنهم دواءك ، ولا يجدي عليهم بكاءك ، لم ينفع أحدهم إشفاقك ، ولم تسعف فيه بطلبتك ، ولم تدفع عنه بقوتك ، وقد مثلت لك به الدنيا نفسك ، بمصرعه مصرعك - إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، ودار موعظة لمن اتعظ بها ، مسجد أحباء اللّه ، ومصلّى ملائكة اللّه ، ومهبط وحي اللّه ، ومتجر أولياء اللّه - اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا فيها الجنة ، فمن ذا يذّمها وقد آذنت ببينها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها وأهلها ، فمثّلت لهم ببلائها البلاء ، وشوقتهم بسرورها إلى السرور ؟ راحت بعافية ، وابتكرت بفجيعة ، ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا ، فذمها
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 170
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٧٠