أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 29 ) .
« نِعْمَتَ اللَّهِ » هنا هي الإيمان إذ قوبلت بالكفر ، وأنه قمة النعمة ، فهم بدلوا الايمان كفرا ، ثم « أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ » أن بدلوا إيمانهم كفرا كما بدلوا على أنفسهم ، تبديلا ذا بعدين بعيدين عن « نِعْمَتَ اللَّهِ » فلذلك « جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها » إيقادا لها لأنهم أئمة الكفر « وَبِئْسَ الْقَرارُ » .
أترى أئمة الكفر كانوا مؤمنين ثم بدلوه كفرا ، وهم ما آمنوا من ذي قبل حتى يبدلوه كفرا ، اللهم إلّا بعضا منهم بإيمان النفاق وليس إيمانا ؟ .
هذه الآية على غرار آية البقرة « اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى » قد تعني - فيما عنت - الايمان الكامن في فطرهم ، المصدّق بعقولهم ، الكائن بآياته الآفاقية والأنفسية بمحضرهم ، فهم بدلوه . كفرا تعاميا عنه وتناكرا له وتغافلا : « وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » ( 2 : 211 ) ( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ » ( 2 : 108 ) ، والنعم الآفاقية من رسل وبينات هي أيضا مما تبدّل كفرا ف « نِعْمَتَ اللَّهِ » تعم الأنفسية فطرية وعقلية وايمانية ، وتبديل الأخيرة هو بالارتداد ، وآفاقية وهي كل النعم المنفصلة المفصلة في الكائنات ، وكلّ هذه النعم تتمحور توحيدا للَّه فإنه نعمت اللَّه الوحيدة غير الوهيدة ، المحلّقة دلاليا ومدلوليا على كافة الآيات الآفاقية والأنفسية .
ثم إن نعمت اللَّه ولا سيما الإيمان تتطلب شكرا ، ولكنهم لم يشكروا ، بل وبدلوه كفرا ، فلو أنهم لم يكفروا ، أم كفروا ولم يحلوا قومهم دار البوار ، لم يكن لهم صلي جهنم وبئس القرار ، مهما دخلوها على هوامش من هم صالوا النار .
ولان البوار هو فرط الكساد لحد الفساد ، كما يقال كسد حتى فسد ، فدار البوار لهم
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 147
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٤٧