تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
الإنسان وهو الحرية والاستقلال في التفكير وانتخاب المسير والمصير ، فقصارى ما يملكه المستكبرون هي تحديد الحياة المادية وتحبيسها ، اما الحياة الروحية والفطرية والعقلية فلا مدخل لأي مستكبر إليها إلّا من الضعفاء الذين يفتحون أبواب أرواحهم بمصارعها لأي غادر مغادر . إن المستضعفين هم ثلة على طول الخط ، والمستكبرون قلة ، فلما ذا تخضع تلك الثلة لهذه القلة ، إلا لضعف الروح ، وسقوط الهمة ، وعدم استقلال الإرادة ، والتنازل الداخلي عن اية كرامة انسانية موهوبة لكل إنسان . ولقد بلغ بهؤلاء الأنذال الذل وحياة التبعية اللاشعورية لحدّ يستطير إلى مسرح الآخرة حيث يسألونهم « إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً » عرضا لموقفهم المتخاذل أمامهم كأنه يحرضهم أو يمكّنهم لمقابلة الحسنى بالحسنى وهنا « تبعا » مصدرا مفردا دون : أتباع جمع « تابع » وقضية الجمع في « انا كنا » هي « أتباع » ؟ عله تأشيرا إلى مبلغ هذه التبعية اللعينة الأعمى كأنهم نفسها دون فاعل لها ، فهم كأنهم تجسيد لأصل التبعية ، إذ لم يبق من كيانهم إلّا هيه « فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ » ذلك العذاب الأليم الذي هو من خلفيات تلك التبعية الملعونة المرذولة ، وقد تلمح « فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ » بمقال سابق للمستكبرين وكما كانوا يقولون للمؤمنين : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ » ( 29 : 13 ) ثم « مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ » وتثنية « من » المبعّضة تثنّي التبعيض ، عناية إلى بعض من بعض ، استئصالا لإغنائهم‌عنهم شيئا من عذاب اللَّه وان قليلا في ذلك اليوم العصيب : « وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ