ولا سيما أنها تجيء إليه وهو خلاف المتعود من خطبة النساء ، وقد تلمح « على » بتأكد الاستحياء وأنها علت عليه بما جاءته ، وإلا ما كانت لتجيئه ، وان « استحياء » منكرة تعظمه حيث المعرف « الاستحياء » هو المعروف المتعوّد من العفائف ، فقد كان استحياء عظيما منقطع النظير ، وبالفعل جاءته . . . . و « قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ . . » جاءته جيئة جيّة في غير ما تبذّل ولا تبرّج أو إغراء ، وإنما للإيواء إلى كريم البواء ، جاءته يدعوه في أقصر لفظ وأكثر معنى يحمل استدعاء إجزاء الجزاء دون لفظة أخرى تتغنج بها الفتاة بطبيعة الحال فيتهيج بها الفتى في نفس الحال ، كلّا وإنما « أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا » ! .
وتراه كيف ساغ له اتباع امرأة في قولها ، ثم المشي معها وهي أجنبية ، وذلك يورث عظيم التهمة ؟ وكيف ساغ لشعيب عليه السلام ان يبعث بنته الشابة إلى شاب ولمّا يعرفه بالعفة ؟ وكيف ساغ لموسى تقبّل أجر - كما قالت - وقد أعانهما لوجه اللَّه ، وهذا خلاف المروءة بل وخلاف الشرعة الإلهية إذ لم يعمل ما عمله بجعالة ، لا سيما وانه عرف عجز أبيهما وفقر العائلة ، ولموسى من القوة ما يحصل بها على مال يحتاجه من غير فقير بمحاولة يسيرة ؟ .
والجواب ان موسى انما استجابها إذ عرف من قبل عفافهما ، فلمحة الصدق من قولها ، وهو غريب في مدين يفتش عن قريب في العقيدة والمأمن .
ثم ولم يستجبها طلب الأجرة ، وهي جائزة دون طلب ، مهما كانت مطالبتها غير جائزة دون جعل ، وانما استجابها إذ تلمّح منها ومن مجيئها كأنها تعني تحقيق دعائه في الزواج بها ، وليس هو في الحق أجرا مهما سمته أجرا ، إذ أنكحها بثماني حجج أو
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 48
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٨