تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
دعواهم فليس عندهم عليها من علم فيخرجوه ، والتفريع الثاني في « فلو شاء » حجة أخرى على غرقهم في لجّتهم أنه لا يشاء تسييرا على الهدى بل هو تخيير اختيارا للهدى أو للردى « فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » وليس اختيارهم الشرك تحقيق مشيئة تشريعية أم وتكوينية مسيّرة لهم على الشرك ، ومن الحجّة البالغة للّه الفطر والعقول الحاكمة بتوحيد اللّه وهم تاركوهما إلى ظنون وتخيلات تخبلات تعارض كافة الحجج الآفاقية والأنفسية ! . فلأن « لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ » دونما تقصير أو قصور ، وهو يشاء تشريعيا تحقيقها وقعيا ، « فلو شاء » ذلك تكوينا تسييرا « لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ » ولكنه على حجته البالغة في كلّ الحلقات يبتليكم بما تختارون . فليس عدم صدّه عن الإشراك به لرضاه به أو عجزه عن ذلك الصد ، إنما هو حكمة بالغة تكليفا حنيفا عطيفا في دار البلية والاختبار بالاختيار . وهذه الآية هي من تلك التي تدلنا على وقع الأمر بين أمرين دون جبر ولا تفويض من جهات عدة : فإن « كَذلِكَ كَذَّبَ » تنديد بالقول « لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا » في خرافة الجبر ، ثم ومديده « حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا » ومن ثم التجهيل بفارغ الحجة « قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا » تدليلا على سلبية العلم فيما هم يدعون بصورة طليقة ، وسحقا لما خيل إليهم من حجة « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ » والخرص هو أقبح أنواع الكذب ، حيث لا يملك حجة وهو فرية وقحة على اللّه . ذلك ، لأن الجبر يبطل رسالات اللّه ، ويمس من كرامة الربوبية فضلا وعدلا ، ويهدم صرح التشريعات عن بكرتها ، وهم يدعون الجبر نكرانا للرسالات ، وإباحية لكلّ