وأما أصل السقي لنا ولأنعامنا ونحن امرأتان ؟ ف « وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ » لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال ، فنحن على أنوثتنا وضعفنا أقوى منه ، وبطبيعة الحال ليس له أبناء حتى يكفوا عنه وعنّا ، فسقينا - إذا - ضرورة معيشية تسمح لهكذا كدّ وكدح للسقي .
هنا تثور الغيرة الموسوية للإقدام على السقي لهما رغم حالته المحرجة ، حيث لا تمنعه عن القيام بواجبه الحاضر ، فيصبح خير ناصر لمن لا يعرفهما ، ولكنه عارف عجزهما وحاجتهما إلى معين ، ويعرف مرضات اللَّه في تلك الإعانة .
فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ 24 .
« فَسَقى لَهُما » وكيف سقى ، طبعا قبل ان يصدر الرعاء كلّا أو بعضا ، فإن سقيه لهما بعد إصدارهم عن آخرهم ليست فيه معونة زائدة على سقيهما بعد الإصدار .
تراه سقى لهما حسب النوبة ؟ أم تطلّب منهم تقدم النوبة ؟ كلّ محتمل ، ولكن القوة المعروضة في قالة إحداهما « إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ » إنها تخرج حالة السقي لهما عن العادة ، فلتكن قوة بارعة خارقة أقوى من كل الرعاع ، وهنا قد يصدق ما يروى انه كان يجتمع على الدلو رجال حتى يخرجوه من البئر لعظمه وثقله « 1 »
هامش
( 1 ) . نور الثقلين 4 : 120 القمي في تتمة القصة عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) . .
ومر نحو مدين وكان بينه وبين مدين مسيرة ثلاثة أيام فلما بلغ باب مدين رأى بئرا يستقي الناس منها لأغنامهم ودوابهم فقعدنا حية ولم يكن أكل منذ ثلاثة أيام شيئا فنظر إلى جاريتين في ناحية ومعهما غنيمات لا تدنوان من البئر فقال : ما لكما لا تسقيان فقالتا كما حكى اللَّه عز وجل : « لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ » فرحمهما موسى ( عليه السلام ) ودنا من البئر فقال لمن على البئر أسقي لي دلوا ولكم دلوا وكان الدلو يمده عشرة رجال فاستقى وحده دلوا لمن على البئر ودلوا لبنتي شعيب وسقى أغنامهما ثم تولى إلى الظل فقال : رب اني لما أنزلت إلي من خير فقير - / كان شديد الجوع .
وفيه عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) . . فانتهى إلى أصل شجرة فنزل فإذا تحتها بئر وإذا عندها أمة من الناس يسقون وإذا جاريتان ضعيفتان وإذا معهما غنيمة لهما « قال ما خطبكما قالتا : أبونا شيخ كبير ونحن جاريتان صغيرتان لا نقدر ان نزاحم الرجال فإذا سقى الناس سقينا فرحمهما فأخذ دلوهما فقال لهما :
قدما غنمكما فسقى لهما ثم رجعتا بكرة قبل الناس ثم تولى موسى إلى الشجرة فجلس تحتها وقال « رب . . » فلما رجعت إلى أبيهما قال : ما أعجلكما في هذه الساعة ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا فقال لأحداهما اذهبي فأعديه لي فجاءته إحداهما . . . »