بينهما ست مراحل ، وهي أكبر من تبوك ، وبها البئر التي استقى منها موسى لغنم شعيب عليهما السلام ، وبينهما وبين مصر مسيرة ثمان وقد كانت خارجة من سلطان فرعون .
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ 22 .
تلقاء الشيء حذاءه وقباله حيث يلقى به ، من « لقى تلقية وتلقاء » ولكنه لقاء من بعيد يوصل إلى لقاء القريب ، فقد خرج من المدينة متوجها تلقاء مدين فريدا طريدا خائفا يترقب الفرج ، منزعجا بنذارة الرجل من أقصى المدينة دون تزود بزاد ولا ترحّل براحلة ، راحلته رجلاه ، وزاده ترجي هدى اللَّه « قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ » إلى مدين وردا سليما وإلى المدينة راجعا رسولا منذرا ، وبينهما السبيل إلى تشكيل العائلة .
فهنا نجد موسى بعد ردح من عمره منذ ورودته حتى رجولته في نعومة العيش في البلاط ، نجده في قلب المخافة ، يطارده فرعون وملأه ، لينالوا منه اليوم في رجولته ما لم ينالوه منه في طفولته ، ولكن اليد التي حمته هناك أحرى أن يحميه هنا : « وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » ! وتراه كيف عرف الطريق إلى مدين ولم تسبق له سابقة منه وليس يكفيه سئوال الرجل الناصح لاهتدائه على طول الخط في الطريق ؟ .
« تَوَجَّهَ تِلْقاءَ » دون « توجه إلى » قد تلمح انه توجه تلقاءه تلقائيا وما يدري هو انه متوجه تلقاءه ، وإنما اللَّه هو الذي يدله إلى مدين ، و « عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي » دليل أنه ما كان يعرف الطريق ، و « تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ » دليل وقع التلقاء بما لقّاه اللَّه ، وغير صحيح أن يسأل الناس عن الطريق وهو في مفازة المخافة ، متسترا مقصده عنهم فرارا عن كيد المؤتمرين به ليقتلوه .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 42
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٢