مدين ، هذان برهانان ساطعان على أن « حُكْماً وَعِلْماً » هنا لا يعنيان الرسالة .
وهنا نتلمح ان بلوغه أشده واستواءه كان عند بلوغه الثلاثين حيث الرسل كانوا يرسلون عند الأربعين ، وكان بين الحكمين عشر سنين .
أتراه في هذه الفترة وهي زهاء ثلاثين سنة أم تزيد ، تراه ظل يترعرع في البلاط الفرعوني ، مستريحا في حياة تحضيرية لتلك الرسالة السامية ، وهو يرى كيف يسام قومه سوء العذاب بتذبيح الأبناء واستحياء النساء وسائر البغي اللئيم ، وابشع صورة للفساد الشايع الأثيم ؟
ليست هذه سيرة المحسنين الذين يُجزَون حكما وعلما ! بل كانت حياته في تلك الفترة إحسانا حسب المكنة بشعبه منذ غلمته « 1 » وكما أغاث الذي من شيعته على الذي من عدوّه ، فقد كان عطوفا بشيعته ، رقيبا عليهم ، وبطبيعة الحال منعزلا عن التأثر من جو البلاط الطاغي كما يمكن في تقية تحافظ على كيانه على قدر إمكانه ، وتلمح لهذه الحالة اجمالة « وَكَذلِكَ نَجْزِي الُمحْسِنِينَ » تعقيبا رقيبا على بيئته قبل ان يؤتى حكما وعلما هكذا ، وكما دخوله المدينة على حين غفلة من أهلها لمحة صارحة
هامش
( 1 ) . نور الثقلين 4 : 117 عن تفسير القمي : . . فلما درج موسى كان يوما عند فرعون فعطس موسىفقال : الحمد للَّه رب العالمين ، فأنكر فرعون ذلك عليه ولطمه وقال : ما هذا الذي يقول ؟ فوثب موسى على لحيته وكان طويل اللحية فهلبها أي قلعها فألمه ألما شديدا فهم فرعون بقتله فقالت له امرأته : هذا غلام حدث لا يدري ما يقول وقد لطمته بلطمتك إياه فقال فرعون : بلى يدري ، فقالت له : ضع بين يديه تمرا وجمرا فإن ميز بين التمر والجمر فهو الذي تقول ، فوضع بين يديه تمرا وجمرا وقال له كل فمد يده إلى التمر فجاء جبرئيل ( عليه السلام ) فصرفها إلى الجمر فأخذ الجمر في فيه فاحترق لسانه وصاح وبكى فقالت آسية لفرعون : ألم أقل لك إنه لم يعقل ؟ فعفى عنه