ف « وَسِعَ رَبِّي » تختلف عن سائر السعة ، فإنها من سعة المحدود على المحدود ، حيث تطلق على الأجسام وأشباهها التي فيها الضيق والاتساع والحدود والأقطار ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، فإنما هي سعة ربوبية علمية كما هنا ، وسعة في كافة مراحل القيومية كما في غيرها . وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) : فهذه ضابطة عالمة عاقلة في كلّ الأعراف أن اتباع الحق لا يخيف ، واتباع الباطل مخيف يحيف ، وأنتم الأغبياء تعاكسونها حيث ترجون أن أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم باللّه ، وقد نزل سلطانا على توحيده ولم ينزل أيسلطان على ما تشركون . « فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ » واقعيا وفي أيمن الحقول « إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » أن الحق أولى من الباطل اتباعا وتخوفا من تركه . وهكذا تنجلي الفطرة وتتجلى في ضفة الإيمان ولا سيما المتأيدة بوحي اللّه بإراءتها ملكوت السماوات والأرض . وهكذا تنحرف فتنجرف في ضفة الكفر المعاند ، ومن الفاصل بينهما التحري عن الحق في الأولى والتجري على الحق في الثانية . إن الفطرة حين تنحرف وتضل ثم تتمادى في ظلالها وتتسع الزاوية الهاوية وتبعد نقطة الانطلاق على ممشاها عن نقطة الابتداء ومحطة الانتهاء ، إذا يصعب عليها أن تتوب وتثوب إلى الحق المرام الذي هو قضيتها كما فطر اللّه . هناك وجدان للّه بكلّ الوجود والوجود كله ، فكيف يخاف غير اللّه من وجد اللّه ؟
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 94
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٩٤