تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
الواقع . إبراهيم يعد أباه الاستغفار مشفّعا له بأنه لا يملك من اللّه إلا الافتقار : ( وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) : لا قبول الاستغفار ، ولا أن تأهل الاستغفار ، إنما دعاء معه رجاء : ( رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) تسليم للّه بلا حدود ، وتسلّم لأمره بلا قيود ، سمة إيمانية بارزة في إبراهيم طول حياته ، ولأنه يحتمل مكيدة أبيه في ملامح وعده من هجره الملي ، يلوذ بربه أن ينجيه : « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » : يستغفر ربه لو جعل فتنة للكافرين كما جعل في فتنته لآزر في استغفاره ، فسنادا إلى عزته تعالى يسأله الخروج عن الفتنة ، وإلى حكمته المغفرة لو افتتن ، فيا لهذه العبودية الخالصة من سمّو وعلوّ ! ومع ذلك كله تستثنى هذه الفتنة المغفورة ، غير العامدة ، عن أسوته : « إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ . . » فيا للرسالة الإسلامية من نزاهة تفوق الرسالة الإبراهيمية ! إذ لا ترضى من الأسوة إلا الحسنة علما وواقعا ، لا السيئة - / ولم تكن في إبراهيم - / ولا بينهما : حسنة في ظنه ، سيئة معذورة كما فعله إبراهيم ، إنما حسنة خالصة : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآْخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ : فيا لها من تربية رابية على الإبراهيمية الحنيفة ، تختص الأمة الإسلامية ، إذ تستخلص لهم خالص التربيات عبر الرسالات كلها ، كما أن رسالتها خالصة الرسالات كلها ، أو انها الرسالة الإلهية وحدها ، وما سواها إنما تحضّر لها وتهيئ كبذرات لإنماءاتها « لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ » أن يلاقيه في الدنيا والآخرة معرفيا ورضوانا « وَالْيَوْمَ الآْخِرَ » وهو آخر المطاف وغايته ، « وَمَنْ يَتَوَلَّ » عن هذه الرسالة ، فيتولى مناوئيها ممن يتربصون له ويترصدون