عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا » ( 19 : 48 ) فوعد الاستغفار مربوط باحتمال الاهتداء ، فلما طال الأمد وظن إبراهيم انه اهتدى حقق وعده : « وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » استغفر له وهو بعد حي ظن أنه اهتدى ، أو سوف يهتدي ، وكان فيما مضى من الضالين المعاندين ، ولما تبين له انه عدو للّه تبرء منه كما في آية الاعتذار حيث تفسر آية الاستغفار : « ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ » ( 9 : 114 ) . فليس وعد الاستغفار في آيته ، إلا نتيجة احتمال الاهتداء المشيرة إليه آية الاعتذار :
( عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ) : موعدة آزر التي وعدها إبراهيم بقوله : ( وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) لا التي وعدها إبراهيم آزر بدافع القرابة فإنها محظورة قطعا كما في آيتي الاعتذار والاستغفار . فالمحرم قطعا هو الاستغفار ووعده للمشركين من بعد ما تبين انهم أصحاب الجحيم ، ولا يتبين هكذا إلا ممن ثبت عداءه للحق بعد ما جاءه كمن صرح بهم القرآن ومن تثبتنا عليه ذلك ولا نحتمل هداه . وأما المشرك المرجو هدايته ، كآزر في ظن إبراهيم ، إذ أمره بهجره مليا ، الملهم لتروّيه فيه ، فقد يجوز الاستغفار له قبل هدايته ، وكما فعل إبراهيم . وإذ لم يكن في استغفاره لآزر محظور ، فلما ذا الاستثناء فيه عن أسوة إبراهيم ؟ علّه رعاية الواقع ، فإن آزر كان عدوا للّه لا يستحق الاستغفار ، مهما أخطأ إبراهيم في ظنه وكان معذورا ، ولم يكن استغفاره محظورا ، فالأسوة تشمل حق العلم والواقع ، وحاشا اللّه أن يأمرنا بأسوة تخالف الواقع ، مهما كان صاحبها معذورا ظنّ الواقع ، ولكنها محظور حسب
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 45
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٥