« فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ » : غني عن إيمانكم ، وهو يحمد على أية حال ، توليتم له أو توليتم عنه ، سواء ، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر « 1 » . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ : تلميح بفتح مكة المكرمة بصيغة الترجي : « عسى اللّه » : هنا موضع رجاء لكم ، لا ان اللّه يرجوا ، وإنما يرجي المؤمنين بما كانوا يأملون علهم لتحقيقه يعملون ، وهو بشارة لفتح مكة ، الذي سبب دخول الناس في دين اللّه أفواجا : طوعا أو كرها ، ف « عسى » هنا وفي أمثاله حتم من اللّه ، يكلّل بالرجاء ، ولكي يحيى المؤمنون حياة الرجاء ، ليكونوا دائبي الحراك والسعي لتحقيق الرجاء « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » ! عسى اللّه أن يعوضكم عن أرحامكم المشركين ، بأرحام لكم مؤمنين في مكة ، منهم ، ومن سواهم بقرابة مستقبلة ، فيجعل بينكم مودة « وَاللَّهُ قَدِيرٌ » على تحقيق هذه الأمنية « وَاللَّهُ غَفُورٌ » للمشرك إذا آمن « رَحِيمٌ » له ، وللمؤمن ، المتقاربين نسبا أو صهرا . ولقد وقع هذا الأمل بعد أمد قصير ، ان فتحت مكة ، فأسلمت قريش ، ووقفت مع المهاجرين والأنصار تحت لواء التوحيد ، مهما كان فيهم منافقون . وهكذا يعالج الإسلام وشائج القرابات ، ولكي يتخطاها إلى وشيجة الإيمان ، خطوات
هامش
( 1 ) . من صحاح الأحاديث القدسية : « يا عبادي ! انكم لن تبلغوا ضرري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من عندي إلا كما ينقص المحيط إذا دخل البحر ، يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيهما لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ( تفسير روح البيان للحقي ج 9 ص 479 )