محاجّة إبراهيم مع الملك نمرود
آيات ثلاث تحمل هامة العقيدة ، لا سيما سر الموت والحياة ، والتعريف باللّه الذي يملكهما دون سواه ، تعريفا في حجاج قامع ، وبيان للواقع ، فلها صلة بآية الكرسي المقررة لصفات ربانية هي الأصل في الإماتة والإحياء ، كسائر الأفعال الربانية الخاصة باللّه لا سواه . فالآية الأولى تعرض حوارا بين إبراهيم والذي حاجه في ربه ، طيا عن ذكر اسمه ادراج الرياح ، تصغيرا لكيانه ، ولأن اسمه لا يزيد في شكلية الحوار وحصيلتها والعبرة بها ، فلندرس ذلك الحجاج اللجاج من الذي حاج بكل نبراتها ، تذرعا إلى قوة الحجاج الإبراهيمية لحد « فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ » ! . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ . . . . « أَ لَمْ تَرَ » يا رسول الهدى ! أم ويأكل من رأى تلك الحجاج في تاريخ الرسالات ! استنكارا بتشنيع وتفظيع على الذي حاج ، وتعجيبا عجيبا لمن يرى أو يسمع ذلك الحجاج ، وحمق اللجاج من ناحية ، وعمق الحجاج من أخرى . « الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » : رب إبراهيم كما هو الحق المعترف هو به ، ورب الذي حاجه كما هو الواقع المنكور لديه ، فإنه رب العالمين ، مصدقين له أو ناكرين ، إذا فضمير الغائب راجع إليهما على البدل ، وما أجمله جمعا كما هو دأب القرآن الفني الخاص في تأدية المعاني الواسعة ، ولماذا « حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » ؟ : « أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ » ! وتراه هو ملك إبراهيم الذي آتاه اللّه روحيا وكما آتى بعض ولده وآله زمنيا ، أم روحيا وزمنيا وكما يقول :
« فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً » ( 4 : 54 ) تأويلا لآل إبراهيم