واضعا قدميه على كاهل الكون ، تاركا ما سوى اللّه تحت قدميه وبقالبه ، بعد أن تركها بقلبه المنير ، متخليا متحللا منقطعا عما سوى اللّه وحتى عن نفسه المقدسة ، مشتغلا بربه دون سواه ، منعزلا عمن أرسل إليهم لهذه الفترة ، فهذه الحالة تقتضي أن يكون هناك من ربه قابَ قَوْسَيْنِ : ليس بينه وبين اللّه أحد ولا حجاب أَوْ أَدْنى : ليس وحتى نفسه المقدسة وهي أقدس الحجب النورانية :
بيني وبينك إني ينازعني * فارفع بلطفك إني من البين
لم يبق آنذاك حجاب عن المعرفة إلا حجاب ذات الألوهية الذي لن يرتفع أبدا ، فقد خرق - إلى الأفق الأعلى وفيه - خرق حجب الظلمة وحجب النور ، ناسيا لها وتاركا إياها مشتغلا بربه ، ولو أن بقيت هذه الحالة التجردية للرسول الكريم لاشتغل عن الكون وعن رسالته وعن نفسه وقضى نحبه ، وهذا باب من المعرفة لا يعرفها إلا صاحب المعراج ، وهي التي استدعاها موسى فأجيب :
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي إذ ليس في وسعه العروج إلى هذا الأفق المعرفي كما لا يتسع الجبل فوق ما يتحمل .
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ : ليس الرب على غيبه بخيلا :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 72 : 27 ) .
ليس الرب ضنينا برسوله الكريم على غيبه الممكن كشفه على غيره ، كما وأن الرسول ليس على غيب ما أوحي إليه بضنين على الناس أجمعين ، فلا ضنة لا هنا ولا هناك ، فقد كشف اللّه عن غيب معرفته وعن غيب وحيه لرسوله الكريم ما لم يكشفه لأحد من العالمين ، ليس لأنه ضنين على من سواه من المرسلين ، وإنما لأن القلوب أوعية المعارف ،