كيف ينسب ذلك الصرف إلى اللَّه والانصراف عن قتال العدو محرم في شرعة اللَّه .
إن ذلك الصرف هو من فعلهم لما انجرفوا في هوَّة الثالوث : فشلًا وتنازعاً وعصياناً ، وهو من فعل اللَّه حيث ترك نصرهم بالملائكة المسومين ، ووكلهم إلى أنفسهم .
كما أنه - كذلك - صَرف جماعة آخرين عن مواصلة القتال لمّا وهنوا وحزنوا بما انهزموا وظنوا باللَّه الظنونا ، صرفاً بصرف ، حرفاً بحرف ، هنا وهناك جزاءً وفاقاً .
« صرفكم عنهم » لأنكم انصرفتم : « فلما زاغوا أزاغ اللَّه قلوبهم » - « وليبتليكم » انتهانا للمتخلِّفين وامتحاناً للصامدين « ولقد عفا عنكم » بعد ما وبخكم لأنكم كنتم مقاتلين في سبيل اللَّه مهما أخطأتم فإنكم - بعد - مؤمنون « واللَّه ذو فضل على المؤمنين » .
« إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » « 1 »
صرفكم « إذتصعدون » ليبتليكم « إذ تصعدون » وعفى عنكم « إذ تصعدون » ف « إذ » تتعلق بكل هذه الثلاث توافقاً لأدب اللفظ والمعنى .
والإصعاد خلاف الصعود كما الإضراب خلاف الضرب ، فهو الانصراف والذهاب بعيداً هنا عن المعركة فراراً دون قرار ، لا سيما وهم زاعمون أن الرسول صلى الله عليه وآله قتيل .
« تصعدون ولا تلوون على أحد » من اللِّي : الالتفات ، وهنا الالتفات على أحد دون « إلى أحد » لتعني خلاف اللفتة الحربية ، فهم حين الذهاب لم يلتفتوا على أحد من المشركين ليواصلوا في قتالهم فإنما أدبروا إدباراً وفراراً .
ذلك « و » الحال ان « الرسول يدعوكم في أخراكم » إذ كان يلاحقكم منبهاً أنه قائلًا :
« إليَّ عباد اللَّه ارجعوا إليَّ عباد اللَّه ارجعوا » ، « 2 » ولأنه لم يصعد ما صعدوا فهو - اذاً - في
هامش
( 1 ) ) . سورة آل عمران 3 : 153
( 2 ) ) . الدر المنثور 2 : 87 عن ابن عباس قال صعدوا في أحد فرأوا الرسول صلى الله عليه وآله يدعوهم فياخراهم