أخراهم من جهتين .
وقد تلمح « فأثابكم » أنهم استجابوا له فرجعوا - وكما في الأثر - وقالوا : واللَّه لنأتينهم ثم لنقتلنهم فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مهلًا فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني ، « 1 » « فأثابكم غماً بغم . . » وترى ما هو الغم المثاب به ، ثم ما هو المبدل عنه ؟ .
الأمر الذي لابد منه في الغم الأوَّل أنه هو الغم الثواب الصواب حيث يخلِّف سلب الحزن على ما فاتكم وما أصابكم ، فتراه الندم على ما فشلوا وتنازعوا في الأمر وعصوا الرسول صلى الله عليه وآله ؟ وليس الندم وحده هو الذي يزيل الحزن على الفائتة والمصيبة وإن كان يخففه ! .
ولكن المبدل عنه وهو بطبيعة الحال غم قتال الرسول صلى الله عليه وآله هو الذي يجاوب الندم على ما كان ، تناصراً في إزالة الحزن ، مهما كان بضمنه غم الهزيمة وانفلات الغنيمة .
فالغم الثاني هو انفلات الغنيمة والهزيمة العظيمة والإصابة الفادحة ، وكل ذلك أمام غم الرسول الإمام لا يحسب بشيءٍ فلقد تناسوا الحزن على ما فاتهم وما أصابهم لما علموا أن الرسول صلى الله عليه وآله حيٌ بعد ، فلهم رجاء استمرارية النضال وجبر كل انكسار في تلك الهزيمة .
إن الحزن على كل فائتة صالحة ومصيبة فادحة ، هو طبيعة الحال للإنسان أيّاً كان ، ولأن ذلك كتاب وليس ليخطأ المصاب - سواء أكان بفعل اللَّه فقط أم وبما قدمته نفسه - فلا دور للحزن عليه ف « ما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلَّا في
هامش
( 1 ) ) . المصدر اخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس « إذ تصعدون فياخراكم » فرجعوا وقالوا . . . فبينما هم كذلك إذا اتاهم القوم وقد ايسوا واخترطوا سيوفهم فأثابكم غماً بغم فكان غم الهزيمة وغمهم حين أتوهم « لكيلا تحزنوا » . . .
أقول : تفسير الغمين بهذين خلاف الإثابة في الغم الأول فلا يصغى اليه ، والحق هو الذي استفدناه من الآية