استئذانهم للجهاد أم تركه ، وهو أحرى دلالة على كفرهم باللَّه واليوم الآخر ، فالإستئذان في هذا المسرح لأيٍّكان ومن أيٍّ كان ، إنما هو لأولئك الذين خلت قلوبهم من الإيمان ، فهم يتلمسون المعاذير وهم في ريبهم يترددون ، استئذاناً للخروج وآخر للقعود .
ذلك الاستئذان كان للقعود وأن استأذنوه بعدُ للخروج : « فإن رجعك اللَّه إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين » . « 1 »
وفي « لا يستأذنك » تلميحة أنهم لم يستأذنوه - فقط - في القعود ، بل وفي الخروج مع المجاهدين أيضاً ليزيدوكم خبالًا ، ولكن المحور في « لم أذنت لهم » هم الذين إستأذنوه لعدم الخروج حيث « لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة . . » .
وهنا « لا يستأذنك » علم حادث له صلى الله عليه وآله إذ لو كان يعلمه لكان استئذانهم إياه علماً له بكذبهم ، فلا يرد أنه لم يكن مأذوناً في إذنهم حين أذن لهم ولا يعمه « فأذن لم شئت منهم » .
إنهم أولآء الأنكاد البعاد « إرتابت قلوبهم » في الحق « فهم في ريبهم يترددون » بين الخروج والبقاء ، وكلاهما منهم خيانة وكيد على الجماعة المسلمة « ومن تردد في الريب سبقة الأولون وأدركه الآخرون وقطعته سنابك الشياطين » ، « 2 » فذلك علامة أولى لكذبهم في استئذانهم ثم ثانياً :
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ « 3 »
إن إرادة الخروج ، العازمة الحاسمة ، قضيتُها الطبيعية الواقعية إعداد عُدة له وإن
هامش
( 1 ) ) . سورة التّوبة 9 : 83
( 2 ) ) . نهج البلاغة عن الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام
( 3 ) ) . سورة التّوبة 9 : 46