وكلٌّ من الاصطفاء والإجتباء يعني طلب الأصفى والأجبى ، فلابد من صفاء أصفى وجباء أجبى حتى يصطفي اللَّه ويجتبي .
وترى كيف يصطفي ويجتبي مثل يحيى الذي « آتيناه الحكم صبياً » إنه يصطفيه لما يعلم أنه سوف يقوم بصالح الجدارة لبلاغ الرسالة ، فهو الذي يصنع الرسل لحمل أمانات وحيه وبلاغ رسالاته بما يعلم فيهم من جدارات سابغة ، سابقة ولا حقة .
فقد قال في موسى : « ولتُصنع على عيني . . واصطنعتك لنفسي » . « 1 »
فقد صنعه اللَّه علي عينه منذ حمله وولاده ورضاعه ليأهل لحمل رسالته ، « ثم جئت على قَدَر يا موسى » بما جاهدتَ واجتهدت وجرَّبت وجُرِّبت « واصطنعتك لنفسي » هكذا ، بين جهاد منك وتأييد من ربك .
فرسل اللَّه عليهما السلام هم صنائع اللَّه ولكن دون فوضى جزاف وترجيح دون مرجح ، فقد يحمِّلهم من تكاليف الدعوة ومشاق الدعاية ما يصلح لمحتدهم الرسالي .
القول أن صناعتهم من اللَّه هي التي تقدمهم على مَن سواهم ، فما هي الرجاحة لهم على من سواهم ؟ مردود بأن اللَّه إنما يشاء في كل دور من الأدوار الرسالية أن يُصنع رسول أم رسل ، فلا يصلح أن يصنع هكذا كلَّ الخليقة ، فإنما يصطفي مَن يعلم جدارته وهو يتحمل ما يحمَّل من رسالته .
فلا ترجيح - إذاً - دون مرجح ، بل هو ترجيح بمرجح ، ثم اللَّه يصنع المترجح في علمه كما يصلح لحمل رسالته ، وبصورة عامة « اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته » :
فقد يصطفي من هو بالفعل أصفى وهو يبقى أصفى كرسول الهدى محمد صلى الله عليه وآله وأضرابه ، أم يصطفى من يعلم أنه سوف يكون أصفى فيصفِّيه اللَّه لحد يصلح لحمل رسالته تعالى ، وهما مشتركان في واجب حمل الرسالة بكل جدارة معنية دون تفلُّت عنها ولا تلفُّت إلى غيرها .
ومما يختص باللَّه تعالى فيهم أن يصطفيهم من أصلاب طاهرة وأرحام مطهرة لم
هامش
( 1 ) ) . سورة طه : 39 و 41