« وَآيَةٌ لَهُمُ اْلأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ » ( 36 : 33 )
الأرض الميتة بموتتها الأولى قبل حياتها ، وبموتات لها تترى ، إنها آية لميتاتهم ، أولاها لأولاها وأخراها لأخراها : « أحييناها » عن موتتها الأولى ، ويستمر إحياءها طول كونها قبل قيامتها الكبرى : « ومن آيات أنكترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لُمحيي الموتى انه على كل شيء قدير » ( 41 : 39 ) أفلا يدل هذا الواقع المكرور على إمكانية إحياءكم بعد موتكم ؟ ومن ثَمَّ على لزومها في ميزان العدل والفضل كما « وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون » فذلك الحب الكامن في الأرض لا يخرج ليؤكل إلَّا بإحياء الأرض بالماء ، وكذلك معادن الإنسانية وكنوزها لا تخرج كاملة شاملة إلَّا بإحيائها بعد موتها ، إذ لا نرى محاصيل أعمالها ومساعيها خيراً أو شراً في أولاها فلتخرج في أخراها .
ففي الحياة بعد الموت أولويتان اثنتان بالنسبة للحياة الدنيا ، أولاها بجنب القدرة الإِلهية أنها أهون على اللَّه : « وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه » ( 30 : 27 ) وأخراها بجنب العدل والفضل حيث الأولى قضيةُ الفضل والأخرى قضية العدل والفضل .
« وَجَعَلْنا فيها جَنّاتٍ مِنْ نَخيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجّرْنا فيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْديهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ » ( 33 : 35 ) .
في حياة الأرض جنات وعيون ، ليأكلوا من ثمر ذلك الإِحياء « 1 » أو الجعل ، أم ثمر اللَّه « وما عملته أيديهم » نفياً واثباتاً « 2 » ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم كله ، حيث الأرض بأشجارها وعيونها ليست من عملهم ، وإنما يعملون فيها فتثمر لهم أكثر مما عملوا ، و « ليأكلوا من ثمره » ومن ما عملته أيديهم ، فهنالك ثمر لم تعمله أيديهم وهو الأكثر من كيان الثمر ، وهناك ثمر عملته أيديهم وهو الأقل من محاولات صورية لنضد الثمر ونضجه « أفلا يشكرون » اللَّه فيما أثمر لهم من إحياء الأرض وعمل الأيدي ؟ ثم هم وأيديهم - كما الأرض -
هامش
( 1 ) . الضمير الغائب لا يصلح رجوعه ادبياً ومعنوياً الا إلى الإِحياء المستفاد من أحييناها أو لجعل اللَّه المحييالجاعل
( 2 ) . « ما » هنا تعني النافية والموصولة معا فالمعنيان معنيّان وهما متقاربان