فليس أمره إذا أراد شيئاً كأمر المخلوقين أن يحول بين إرادته ومراده أمر آخر يمنع ، أو يكلِّف تحقيق مراده سوى إرادته أمرٌ آخر أو أمْرُ آخر ، ف « إنما أمره إذا أراد شيئاً » أيّاً كان وأيّان من صغير وكبير ، من بدءٍ وإعادة « أن يقول له كن فيكون » وقوله فعلُه ، تلميحة لطيفة بنفاذ أمره دونما نَظِرة أمرٍ آخر أو أمرِ آخر ، أو تصرُّم الزمان إلّا أن يشاء هو التأجيل كما خلق السماوات والأرض في ستة أيام .
( يقول لِما أراد كونَه : كن - فيكون ، لا بصوت يقرع ولا نداء يُسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعلٌ منه وإنشاء ومثله لم يكن من قبل ذلك كائناً ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً » « 1 » ( فإرادة اللَّه الفعل بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همة ولا تفكر ولا كيف لذلك كما أَنه لا كيف له ) « 2 » .
ف « أمره » هنا فعله كما قوله ، و « أراد » هي الإرادة القاطعة بعد العلم والمشية ، و « شيئاً » يعم كلما لا يستحيل ذاتياً أو في الحكمة ، إرادة لتكوينه لا من شىءٍ كالمادة الأوَّليه التي خُلِقَت لا من شىءٍ ، أم لتكوينه من شىءٍ خَلَقَه قبله تبديلًا له أيّاً كان ، ومنه الإِحياء بعد الإِماتة ، واطلاق الشىءٍ على الأوَّل باعتبار الأوَّل دون أية فعلية إلَّا إمكان إيجاده لا من شئ ، ومن ثَمَّ الشئ الكائن حيث يبدل إلى غير شيئه في صورته ، ثم تبديله حياً بعد موته ، وقد أطلق على المواد الأولية لفظة الحروف حيث تعني حروف التكوين كما في حوار الإِمام الرضا عليه السلام مع عمران « 3 » .
هامش
( 1 )
. المصدر عن نهج البلاغة عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام
( 2 ) . فيه ح 98 عن أصول الكافي باسناده عن صفوان بن يحيي قال قلت لأبي الحسن عليه السلام أخبرني عن الإرادة من اللَّه ومن الخلق قال فقال : الإرادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل واما من اللَّه فإرادته احداثه لا غير ذلك لأنه ولا يهم ولا يتفكر وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق فإرادة اللَّه
( 3 ) . نور الثقلين 4 : 397 ح 99 في عيون الأخبار في باب مجلس الرضا عليه السلام مع أهل الأديان والمقالات في التوحيد كلام للرضا عليه السلام مع عمران يقول فيه : واعلم أن الإبداع والمشيئة والإرادة واحدة وأسمائها ثلاثة وكان أول ابداعه وارادته ومشيئته الحروف التي جعلها أصلًا لكل شىءٍ ودليلًا على كل مدرَك وفاصلًا لكل مشكل وتلك الحروف تعرف كل شئ من اسم حق وباطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى وعليها اجتمعت الأمور كلها ولم يجعل للحروف في ابداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى ولا وجود لها لأنها مبدعة بالإبداع والنور في هذا اوّل فعل اللَّه الذي هو نور السماوات والأرض والحروف هي المفعول بذلك الفعل وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من اللَّه عز وجل علَّمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدل على لغات العربية ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً تدل على لغات السريانية والعبرانية ومنها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم الأقاليم اللغات كلها وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين حرفاً من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً ، وأما الخمسة المختلفة لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه ، ثم جعل الحروف بعد إحصائها واحكام عدتها فعلًا منه كقوله عز وجل : « كن فيكون » وكن منه صنع وما يكون به المصنوع فالخلق الأول من اللَّه عز وجل الإبداع ولا وزن له ولا حركة لا سمع ولا لون ولا حس والخلق الثاني حروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوساً ملموساً ذا ذوق منظوراً اليه واللَّه تبارك وتعالى سابق بالابداع لأنه ليس قبله عز وجل ولا كان معه شىءٌ والإبداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير نفسها ، قال المأمون : كيف لا تدل على غير نفسها ؟ قال الرضا عليه السلام لان اللَّه تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً بغير معنى أبداً فإذا ألف منها أحرفاً أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى ، ولم يك الا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئاً ، قال عمران : فكيف لنا بمعرفة ذلك ؟ قال الرضا عليه السلام اما المعرفة فوجه ذلك وبيانه انك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فرداً فقلت : ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها غير أنفسها وإذا الفت وجمعت منها وجعلتها اسماً وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليله على معانيها داعية إلى الموصوف بها ، أفهمت ؟ قال : نعم