وعلى ضوء هذا التنبؤ من نبئِنا العظيم وكما تتحمله الآية ، يرجع ضمير التأنيث في « جعلناها » إِلى مثلث أصول الحياة : الماء والزرع والنار ، فهي متاع للمقوين : أغنياء وفقراء ، أقوياء وضعفاء ، الكائنين في قَواء : مفازة لا تفوز بالحياة إِلا بها ، وإِلا فهي قفر ، إِذ لا ماء فيها ولا نار ولا كلاء ، ومن ثم فلا حياة فلا إِنسان .
فمتاع هذا المثلث ظاهر ، فما هي تذكرة الزرع والماء ؟ إنهما تذكران إِمكانية المَعاد ، الذي يضم هذه الأصول في الُمعاد ! .
ولأن اللَّه يذكركم بالقيامة وطامّتها قبل أن تأتيكم ، ويبرهن لكم إليها بما لا مزيد لها قبل أن تأتوها ، وينعم عليكم بوافر النعيم في الأولى لكي تتمتعوا بها وتقدموا للأخرى :
« فسبّح باسم ربك العظيم » ( 56 : 75 ) : نزِّه ربَّك العظيم عما ينافي الربوبية العظيمة ، نزِّهْه مستعيناً باسمه العظيم « 1 » لا فحسب تسبيحاً في المقال ، فكذلك في الإِيمان والحال والأعمال ، أن تصبح حياتك تسبيحاً باسم ربك العظيم ، أو تتحول إِلى اسم الرب العظيم ، كما وأن أولياءه المكرمين هم من أسماء اللَّه الحسنى ، يدلون على اللَّه ويقربون إِلى اللَّه .
« فسبح » ربك العظيم « باسم ربك العظيم » عن الفوضى اللّاغاية الصالحة من الخلق ، العابثة بهم ، فلا يحشرهم للحساب الجزاء ، وسبحه باسمه عن الحساب الفوضى يوم الحساب ، وعن كل ما لا يليق بعظمة الربوبية الفاضلة العادلة بغير حساب .
وتُرى هل يختلف « ربك » عن « رب العالمين » أفهناك أرباب متشاكسون ؟ ! كلا ! وإِنما يوجه الخطاب هنا - على أوجه الوجوه - إِلى أعظم أسماء الربوبية العينية : الرسول الأقدس محمد صلى الله عليه وآله ، فباستطاعته أن يسبح ربه باسمه العظيم ، وهو أيضاً من اسمه العظيم ، وهو أعرف مِن سواه باسم ربه العظيم : رب عظيم واسم عظيم ، يسبح به رسول عظيم ، ولكي يكمل التسبيح فيقتدي به مَن سواه من العالمين .
هامش
( 1 )
. على أن الباء في « باسم » للاستعانة كما هو الأظهر دون تكليف زائد . فالقول انها زائدة قول زائد . وغيره بمعنىغيره لا يلائم الآية