بذرناه وبذلنا لزرعنا إِذ خاب سعينا « بل نحن محرومون » : عن نصيبنا من رزق أو عن رحمة اللَّه .
فلو أنكم أنتم الزارعون ، فلماذا تحرمون منه أنفسكم وتغرمون ؟ فما الزرع إِلا من عنداللَّه العزيز الحكيم ، يمنحكم ثمره ويسمح لكم خيره ، أن يسر البذرة فيرحلتها الناجحة كما فعل فيما تُمنون بأدواره الجنينية وقبلها ، حذواً بحذوه ف ( لا يقولنَّ أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت ) « 1 » .
ولتأخذوا درساً من البذرة المزروعة التي تَحصدون ، أنكم كذلك في القيامة تُحصَدون ، فبذرة الحياة الدنيا لا حصاد لها وافياً إِلا اليوم الذي فيه تُحشرون .
وكما أن البذرة الميتة نباتياً تُحيى مع الماء والأرض ، تم تموت ، ومن ثم تحيى مرة أخرى ومرات في كل حصدة وزراعة ، فلولا تصدقون أن اللَّه الذي أحياكم ثم يميتكم ، أنه سوف يحييكم لكي تَحصُدون بعدما تُحصدون ؟ ولتجزى كل نفس بما تسعى .
« أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه اجاجاً فلولا تشكرون » ( 56 : 71 ) .
« الماء الذي تشربون » يختص هنا بالذكر بين سائر الماء ، لأنه أصل الحياة المباشرة للانسان ، ثم بواسطة النبات والحيوان حياة ثانوية مكملة لها .
فهل أنتم الشاربون أنزلتموه من المزن : السحاب المثقل بالماء ، أم اللَّه ؟ فمن هذا الذي يزجي سحاباً من أنجرة المياه فيبسطه في السماء ، ويسقي به من يشاء ؟ ومن الذي خلق عنصر الماء من قبل وحوّله إِلى مختلف الحالات ، وجعله أصل الحياة ؟ أنتم أم اللَّه ؟ « فلولا تشكرون » ؟ .
« لو نشاء جعلناه أُجاجاً » : بدل العذاب الفرات : مالحاً مراً حاراً بأشده لاهباً ملتهباً كالنار ، حاملًا لعنة الموت لا رحمة الحياة ، يؤج بكم إِلى عجيج الصرخات « 2 » ، ولكنه جعله
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 6 : 160 - أخرجه جماعة عن أبي هريرة قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : .
( 2 ) . هذه كلها معاني الأجاج كما في لسان العرب لابن المنظور الإفريقي