إن مصطنعي الآلات أدرى من سواهم بأسرارهم وخباياها ، رغم أنهم لم يصنعوا موادها ، وإنما اصطنعوا منها صورها ، فماترى إذاً لخالقها ؟ الذي خلق موادها وصورها : و « ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير » ؟ :
« ولقد خلقنا الانسان » فيما خلقناه « و » نحن « نعلم » منه كل سر وعلانية ومنه « ما توسوس به نفسه » حيث نفسه مِن خلقنا ، فإذاً هو عارف بوسواس نفسه وليس بخالقها ، فماذا تظن إذاً بخالقها ؟ إنه أقرب إليه منه نفسه ! : « ونحن أقرب إليه » قدرة وعلماً « من حبل الوريد » : الذي يجري فيه دم الحياة ! .
فحبل الوريد هو العرق الذي يسمى حبل العاتق ، وريدان عن يمين العنق وشماله ، فاللَّه يعلم غيب الانسان ووسواس أضماره ، ونجي أسراره ، وأقرب منه وأكثر ، فالعالم بخفايا قلب الانسان أقرب إليه من عروق حياته قرب العلم والإحاطة ، وليس قرب المسافة والمساحة .
فلا أقرب إلى الانسان من خالقه ، قرب القيومية العلمية وفي القدر ، مهما بعدت ذاته عن ذاته وصفات عن صفاته - إذ « ليس كمثله شيء » فهو - إذاً - قريب الينا في بعده ، وبعيد في قربه ، داخل في الأشياء لا بالممازجة ، كدخول شيءٍ في شيءٍ ، وخارج عن الأشياء لا بمزايلة ومجانبة ، كخروج شيٍّ عن شيءٍ ، بل هو داخل علماً وقدرة ، خارج ذاتاً وصفاتٍ ، باين الأشياء بينونة ذات وصفة ، لا بينونة عزلة ! ف « نحن أقرب اليه » : إلى روحه وجسمه ، إلى عقله ونفسه ، إلى وسواسه وهواجسه بأسبابها ، واليه كله « من حبل الوريد » : وريد الحياة ، ولكونه أقرب ف « اللَّه يحول بين المرء وقلبه » ( 8 : 24 ) فهو أقرب اليه من قلبه ، وهو يعلم منه أخفاه ، ولا يعلم الانسان إلا سره لا أخفاه : « إنه يعلم السر وأخفي » ( 20 : 7 ) فالسر ما يكنه من خابية ، وأخفى منه ما لم يكنُّه بعد ، ماسوف يكنُّه ولا يعلم قبل ! .
إن الوسوسة : الخطرة الرديئة - وأصلها صوت الحلي والهمس الخفي - هي أخفى صنوف العلم : الخطرة النفسانية الخفية ، ومنها الوسوسة في المعاد ، فاللَّه الخالق يعلم نشأة الوسواس
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 40
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٠