تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وترى كيف يصبح الموت للغافلين سكرة وهو قفزة إلى حياة أخرى ؟ إنه سكرة لانشغال سكراته بنفسه عما سواه ، في رجفة مفاجئة فاجعة تدب في الأوصال ، تفصله عن حياة أنيسة بين شغل وأهل ومال ، إلى حياة بئيسة تعيسة في أهوال وأوحال ، فهل هناك صيغة أدل من « سكرة » على هذه الحال ؟ ! . « ولوترى إذ الظالمون في غمرات الموت » ( 6 : 93 ) غمرات في سكرات ! : الكروب التي تتغشى المحتضر عند الموت فيفقد تمييزه ، ويفارق معه معقوله وكأنه سكران الخمر ! إلا أن هذه منعمة منعشة وتلك مؤلمة موحشة ! . وإنها « جاءَت » دون حاجة لأن تجيئها أنت ، فإنك في الموت محتار لا مختار ، وحتى الموت الذي أنت تختار ، فاللَّه هو المميت لا أنت ، مهما قدمت نفسك لأسبابه ، ولست بمقدمها - ف « ذلك ما كنت منه تحيد » ! وإنها « سكرة الموت بالحق » : بسبب القضاء الحق فإنه من قضاء اللَّه ، وبإرادة الحق ، فإنه من فعل اللَّه ، وهي تصاحب إرادة الحق : « لقد كنت في غفلة من هذا . . » ومن ثم الجزاء الحق في رحاب الحق ! « 1 » و « ذلك » : البعيد عن رغبتك ، الشديد في رحلتك « ما كنت » طول حياتك الميتة « منه » - فقط - لا سواه « 2 » « تحيد » حيد الفرار . وهي كلها تتصل بحبل الوريد : الحبل الأم الكائن في الحلقوم ، فإذا قطع انقطعت الحياة ، اذاً فهو أقرب شيء إلى حياة الانسان ، ولكن اللَّه الخالق للحبل الوريد والانسان ، هو أقرب اليه من حبل الوريد ، من نفسه ، من حياته ، من كيانه كله ، اليه « إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد » 15 : 17 : وترى ان « إذ » هنا ظرف ل « نحن أقرب . . » ؟ والمتلقيان هما الملكان الحفيظان على الاعمال بأمر اللَّه ، فكيف يكون تلقيهما ظرفاً لا قريبة اللَّه ؟ ثم ولا ظرف لها خاصاً ، فإنها لزام ربوبيته
هامش
( 1 ) . فالباء في « بالحق » لكلا السببية والمصاحبة - ثم الأولى أعم من العلة الموجدة والعلة الغائية - فان الغاية من الموت أيضاً حق : تأمل ( 2 ) . يستفاد الحصر من تقديم الظرف « منه » على فعله « تحيد »