ف « ما أطغيته » تعني : ما حملته على الطغوى إلزاماً وتسييراً ، وإنما دعوته إليها تزييناً وتخييراً ، فهما إذاً يختصمان ، فيرد أمر الجبار : « لا تختصموا لدي » إذ لا يجوز الخصام عند الملك العلام - حال : « وقد قدمت إليكم بالوعيد » : للمضلين ألا يُضلوا ، وللمضلَّلين ألا يستضلوا ، فإذا أضل أولاء وضل هؤلاء فهما في العذاب مشتركان : « وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين . فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون . فأغويناكم إنا كنا غاوين . فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون » ( 37 : 33 ) .
« ما يبدل القول لدي وما انا بظلّام للعبيد » 50 : 29 والقول هنايعني - فيما يعني - :
كلمة العذاب : « وقد قدمت إليكم بالوعيد » .
إن تبدُّل قول العذاب من اللَّه - أياً كان - هو كثير ، فإن العبيد كثير ، واللَّه هو العلي العلام الكبير ، فاليسير منه كثير ، انه ظلماً وليس منه أو عدلًا وفضلًا وهما منه ، فلا يعني - إذاً - نفي الظلم الكثير « وما أنا بظلام » هنا - إثبات اليسير .
فلو لم يقدم اللَّه قولًا بالوعيد ثم عذب ، كان فيه ظلم كثير ، فإنه إغراء بالجهل ، فأخذٌ على غِرة وجهالة ! ولو لم يعذب بعد ما لا يقدم فهو ظلم كثير ، بالنسبة للعبيد الذين عاشوا التقوى بحرمان شهوات الهوى ، فالتسوية بين الأبرار والفجار ظلم كثير ! ولو قدم قولَ الوعيد العدل ثم خالفه إلى مزيد فهو ظلم كثير ! أم لو عذب الضالين دون المضلين ، أو المضلين دون الضالين فهو ظلم كثير ! أم لو خالف قول الوعيد العدل إلى الجزاء غير الوفاق - أياً كان - فإنه ظلم كثير : « وما أنا بظلام للعبيد » لا في تقديم القول بالوعيد ، ولا في تحقيق الوعيد ، فهو قول عدل ووعيد عدل ، دونما ظلم لا كثير ولا يسير ! .
ومن القول المقدم بالوعيد : « فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين » ( 38 : 85 ) فما يبدل هذا القول لدى اللَّه ، فإنه يدخل كثيرا من الجن والإنس في الجحيم ، فما نصيب الجنة إلا قليل : « ولقد ذر أنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس » ( 7 : 179 ) فالجحيم تُملأ بهذا الكثير ثم تقول : « هل من مزيد » ؟ :
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 29
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٩