تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
من ثم هي ( في الآخرة عذاب شديد ) لمن أبصر إليها فأعمته عن حقيقتها ، وهي هي ( مغفرة من اللّه ورضوان ) لمن أبصر بها فبصرته ، فهي من طبعها حياة الغرور لمن لا يحدُّ البصر ، لكي لا يغفره باللّه الغَرور في هذه الحياة الغُرور ، أنها حياة ذات وجهين ووجهتين : باطنها فيه الرحمة وظاهرها من قِبله العذاب ، وكما تُضرب هي سوراً بين أهل الجنة والنار يوم القرار . فبإمكان الانسان أن يجعل من الحياء الدنيا حياةً عُليا ، أن يقنطرها للأخرى ، ويستخدمها للارتقاء في مراقي العبودية والتقى ، فان الدنيا مدرسة الآخرة ! . يجعل بدل اللعب الطفولي ، العمل البناء البطولي ، وبدل اللهو عن ذكر اللّه لهواً عما سوى اللّه وعيشة مع اللّه ، وبدل زينة الحياة الدنيا ، زينة الحياة العليا : الإيمان والتقوى ، وبدل التفاخر بالأذل الأدنى ، التناصر فيما يحب اللّه ويرضى ، وبدل التكاثر في الأموال والأولاد ، التكاثر في المثل العليا . ان دور اللعب هو دور الطفولة ، يتعبون أنفسهم فيما لا يُعنى ، فتذهب أتعابهم سدى ، إذ يلتهون عن مهمات الحياة إلى ملذاتها وملماتها ، وعن عقلياتها إلى شهواتها ، ثم لا يبقى لهم بعد انقضاءها إلا حسرات ، إذ يرى تقضّي العمر والمال واللذة العمياء ، والزينة في الملابس والمراكب والمساكن دور الكهولة أو ما يشارفها ، بعد ما انقضى ثورة اللهو والشهوة ، ثم بعد الكهولة دور التفاخر بالأحساب والأنساب والمناصب والألقاب الفارغة الجوفاء ، وأخيراً دور التكاثر في الأموال والأولاد وقد يتخطى الأحياء إلى الأموات : ( ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر ) . ومن الناس النسناس من يعيش هذه الأدوار طول حياته ، صبياً في كهولته ، شاباً في طفولته ، طفلًا في رجولته ، يلعب ويلهو وهو شيخ هرم ، ويلعب دور الزينة والتفاخر والتكاثر في سني عمره كلها ( فأولى لهم ثم أولى لهم ) ! . وهنا الآية تمثل خير الأمثال للحياة الدنيا ( كمثل غيث ) مثلًا عن الحياة العليا ، الخليطة