« ثم يهيج » النبات « فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاماً » : كسراً هشيماً تذروه الرياح ، وهكذا ينتهي شريط الحياة الدنيا العاجلة الزهيدة ، ثم هي « وفي الآخرة عذاب شديد » للزراع الكافرين المعجبين بظاهر الحياة الدنيا ، اللاعبين اللاهين المتزينين المتفاخرين المتكاثرين « ومغفرة من اللّه ورضوان » للزراع المؤمنين ، الذين استفادوا من غيث الحياة إغاثة لها عن دنياها ، فما زخرفوها أو دنّسوها بغرورها وزورها ، بل أنبتوها من هذه الممرة الكأداء نباتاً حسناً ، فهي في الآخرة « مغفرة من اللّه » لمن قصر قليلًا وجاهد كثيراً « رضوان من اللّه » لمن عاش حياته رضوانَ اللّه .
فإنما الدنيا مزرعة الآخرة ، وأهلها كلهم زراع ، فمنهم من يَخسر زرعه ويُخسر كالزراع الكفار ، ومنهم من يَربح كالزراع الكفار ، ومنهم من يَربح ويُربح كالزراع المؤمنين .
« وما الحياة الدنيا إلا متاع إلى الغرور » إنها متاع يتمتع به إلى حين : « ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين » ( 2 : 36 ) دون استمرار ليوم الدين ، وهي كذلك متاع يشترى به غفران من اللّه ورضوان ، وإن كان قليلًا : « فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل فلا أصالة للحياة الدنيا القلة إلا متاعاً في الآخرد إلا قليل » ( 6 : 38 ) فلا أصالة للحياة الدنيا القلة إلا متاعاً في الآخرة : ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) ( 13 : 26 ) أجل أنها متاع ولكنها تغري المتمتعين بها أنها أصيل ، يبصرون إليها كغاية فتعميهم عماية عن حقيقتها المتاع الزهيد ، ( وفي الآخرة عذاب شديد ) ولو أبصروا بها فهي « في الآخرة مغفرة من اللّه ورضوان » ! .
ولو استعملنا بعيد النظر في العبر وجدنا أن القرآن لا يقصد بهذه المهانة للحياة الدنيا إهمالها والعزلة عنها فنعيش حياة الرهبان والدراويش ، وإنما يقصد تصحيح المقاييس في استعمال هذه الحياة لتتخطى الدنيا إلى العليا ، والاستعلاء على غُرور هذا المتاع الغَرور ، لنستبدل بها حياةً أبقى وأرقى في الآخرة والأولى ، فالدين يستعمر الأولى قبل الأخرى ويستمر بالإنسان في حياة عليا وهو في الدنيا ، ويصنع ميادين السباق للرفاق في هذه
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 279
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٧٩