فهيَّا هيَّا إلى الإنابة والإسلام ، فالوقت غير مضمون ، والرب غير ضامن ، وقد يحل الموت وهنا الفوت ولات حين مناص ، وقد أفلت الخلاص « ثم لا تنصرون » إذ لا توبة بعد الموت ولا اوبة بعد الفوت .
ثم كما ليس الغفران إلَّا بشروط ، كذلك الإِنابة والإسلام هما على شروط :
« وَاتّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ » ( 39 : 55 )
وإنه القرآن « أحسن ما أنزل إليكم من ربكم » واجب الاتباع علمياً ومعرفياً وعقائدياً وعملياً « من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة » هنا أم بعد الموت « وأنتم لا تشعرون » واجب الاتباع أو واقع العذاب ، وقد تتلمح بغتةُ العذاب بأنه عذاب الاستئصال » فلم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة اللّه التي قد خلت في عباده » ( 40 : 85 ) أم ومعهاب البرزخ ومن ثم القيامة وأجمعُه ثالوث العذاب ، وأيقنه الآخران ، وأتقنه الأخرى ، فاشعروا الإنابة الإِسلام الإِتباع « من قبل ان يأتيكم العذاب بغتة » فلا يفيدكم شعور بعده إلَّا عذاباً فوق العذاب :
« أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرّطْتُ في جَنْبِ اللّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرينَ » ( 39 : 56 )
تفرياً في طاعة اللّه وعبادته حيث « أسرفوا على أنفسهم » أو تفريطاً في الإنابة والإسلام والاتباع ، تقصيراً ذا بعدين « في جنب اللّه » يتحسر عليه بعد فوات الأوان .
والجَنب هو جانب الشيء إنساناً وسواه : « يتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . » ( 32 : 16 )
« أعرض ونأى بجنابه » ( 17 : 83 ) وقد يستعاد للسمت القريب والناحية : « وناديناه من جانب الطور ( 19 : 52 ) « والصاحب بالجنب » ( 4 : 36 ) أو يجرد عن القرب أيضاً كما عن العضو ويبقى السمت والسبيل « ويقذفون من كل جانب » .
ولأن اللّه سبحانه يتعالى عن الجَنبِ العضوِ ، والسمتِ الناحيةِ ، وحتى لو كان له هذا الجنب استحال التفريط فيه واقعياً وفي الإِسراف على النفس ، فلم يقل « أسرفوا على ربهم »
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 257
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٥٧