الرجاء ، دون ترسُّل اللّامبالات في الأخطاء رجاءً فوضى ، ولا تمحُّل القنوط عن رحمة اللّه خوفاً مطلقاً ، فإنما هو كما قال اللّه « ولا تقنطوا من رحمة اللّه . . وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له . . . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم . . » .
و « يا عبادي » تذكير بأنهم ليسوا إلَّا عباد اللّه ، و « الذين أسرفوا على أنفسهم » إسرافاً في التخلف عن عبودية نكرانا للّه ، أو اشراكاً باللّه ، أو كفراً بآيات اللّه ووحيه ، أم تركاً لِشرعة اللّه كُلّاً أو بعضاً ، إسرافاً يُقنط العبد عن رحمة اللّه ويهبطه يأساً إلى نقمته ، ولكنه على إسرافه في أيَّة دركاته يبشِّر برحمة اللّه بعدما ينهى عن القنوط منها ، دون ولحِّ في العصيان ولجَّ في الطغيان ، شارداً عن الطريق ، مارداً عن الحق الحقيق ، ويا لها من رحمة واسعة نَدِيَّة رَخِيَّة ، ولكنها ليست بفوضى رديَّة ، فهناك الإنابة والإسلام للرب واتباع أحسن ما أنزل .
« وَأَنيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمّ لا تُنْصَرُونَ » ( 39 : 54 )
فلولا الإِنابة قبل الموت فالعذاب بالباب وقد تقعطت الأسباب وحارت الألباب ، والإنابة هي الأوبة إلى الطاعة بعد ما أسرف في تركها ، رجوعاً إلى اللّه نوبة بعد نوبة مرة بعد أخرى .
ثم إسلاماً للّه بعد إسلامه لغير اللّه ، إسلاماً بقلبه وقالبه ، بجوارحه وجوانه ، فلا يبقى من كونه ولا كيانه إلّا اسلامٌ للّه ، فأمَّا أن يلفظ بالإنابة والإسلام وقلبه واه وعمله واه . فما هي بأنابة وما هو بإسلام ولماذا الإسلام بعد الكفر وأحرى منه الإيمان ؟ لأنه بعد الطغيان فيناسبه الإسلام وهو قبل الإيمان ومعه وبعد الإيمان ، درجات ثلاث من الإسلام ترجى على رِسلها بعث الإنابة ، وأقلها التسليم في المظاهر خروجاً عن الطغيان .
فهيَّا أيها المسرفون قبل فوات الأوان « من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون » فإنما النصرة الرحمة قبل الموت ولمَّا يأت العذاب .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 256
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٥٦