وهنالك في حقل العصمة الربانية ، ولا سيما في حق النبي الأعظم الأعصم فضلٌ من اللّه عليه صلى الله عليه وآله أن يصد المظلين ويسدهم عن أن يهموا بإضلاله ، فضلا عن إضلاله وانفعاله بإضلالهم ، وهكذا يقول اللّه في حقه « ولولا فضل اللّه عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك . . » وأين تلك العصمة العلية الغالية ، والوصمة عليه صلى الله عليه وآله أنه مال إلى الجدال عن الذين يختانون أنفسهم كما في مختلَقات زور بكل إصرار وغرور .
ثم « وما يضلون » فيما يحاولون « إلّا أنفسهم وما يضرونك من شيءٍ » وهّم الجدال عن الخائنين ضرر على العصمة القدسية ، فهي منفية بنص الآية خلافاً للرواية .
ذلك ! حيث « وأنزل اللّه عليك الكتاب والحكمة وهي مما آتاك اللّه لتحكم بينهم بها كما تحكم بالكتاب ، ثم « وعلَّمك ما لم تكن تعلم » .
لا تقنطوا من الرحمة اللّه
« قُلْ يا عِبادِيَ الّذينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَميعًا إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحيمُ ( 53 ) وَأَنيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمّ لا تُنْصَرُونَ » ( 54 )
وإنها أرجى آية في كتاب اللّه وأوسعها « 1 » تنزل في وحشي بن حرب وكل حرب وحشي حين يدعى إلى الإِسلام ، وهو يسترخص رسول اللّه صلى الله عليه وآله بما أسرف ، فتنزل « إلَّا من تاب وآمن وعمل صاغلحاً فأولئك يبدل اللّه سيآتهم حسنات وكان اللّه غفوراً رحيماً » ( 5 : 70 ) فلا يقنع لأنه شرط شديد فلعلي لا أقدر على هعذا ، فتنزل : « إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر . . . » فهل غير هذا فأنزل اللّه آية الإسراف هذه فأسلم فقال الناس يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله : إنا أصبنا ما أصاب وحشي قال صلى الله عليه وآله بلى للمسلمين عامة . « 2 » وما أحَبها إلى
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 5 : 331 - اخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال قال علي اي آية أوسعها . . . » فجعلوا يذكرونآيات القرآن « من يعمل سوءً أو يظلم نفسه . . . ونحوها فقال علي رضي اللّه عنه ، ما في القرآن أوسع آية من « يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم . .
( 2 ) . المصدر اخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان بسند لين عن ابن عباس ( رضى اللّه عنه ) قال : بعث رسول اللّه صلى الله عليه وآله إلى وحشي بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الاسلام فأرسل إليه يا محمد كيف تدعوني وأنت تزعم من قتل أو اشرك أو زنى يلقَ أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً وانا صنعت ذلك فهل تجدلي من رخصة فانزل اللّه « الا من تاب . . . فقال وحشي هذا » شرط شديد « الا من تاب . . » فلعلي لا أقدر على هذا فأنزل اللّه « ان اللّه لا يغفر ان يشرك به . . » فقال وحشي هذا هو فأسلم . . وفيه أخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن وحشي قال : لما كان من امر حمزة ما كان القى اللّه خوف محمد صلى الله عليه وآله في قلبي خرجت هارباً اسكن النهار وأسير الليل حتى صرت إلى أقاويل حميد فنزلت فيهم فأقمت حتى اتاني رسول اللّه صلى الله عليه وآله يدعوني إلى الاسلام قلت وما الاسلام ؟ قال : تؤمن باللّه ورسوله وتترك الشرك باللّه وقتل النفس التي حرم اللّه وشرب الخمر والزنا والفواحش كلها وتستحم من الجنابة وتصلي الخمس قال : ان اللّه انزل هذه الآية « يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم . . » فقلت : أشهد أن لا إله إلا اللّه وان محمداً عبده ورسوله فصافحني وكناني بابي حرب .