« فاصبر » دون جبر عليهم « فما أنت عليهم بجبار » و « اصبر » تركاً لذكراهم بعد التي ذكرتهم « فذكر بالقرآن من يخاف وعيد » وأما ذكرى الذي لا يخاف وهو عنيد ، فلا عليك إلا إتماماً للحجة إيضاحاً للمهجة ، ثم لا حجة ولا مهجة . . « فاصبر » واستعن لصبرك بتسبيح الحمد لربك ، فمهما جرحوا قلبك المنير ، وهرجوا خاطرك الخطير ، فطمئن قلبك بذكر اللَّه العلي الكبير ، « ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب » .
ولا راحة عن التعب ، ولا إزاحة للنصب إلّا راحة ذكر اللَّه ، وكما الرسول صلى الله عليه وآله كان إذا غمه شيء استراح إلى الصلاة ، وكان يقول : « وقرة عيني الصلاة » !
هنا تسبيح بالحمد ، وليس الحمد فقط ، فإن فيه شائبة التحديد والتشبيه ، ولا التسبيح فقط ، فعمّاذا يسبح وينزه لولا اثبات صفات ؟ ! فليكن تسبيح بالحمد ، ان تحمده كما يليق بذاته ، فبحمده تسبحه ، كما بتسبيحه تحمده ، نفياً مع اثبات ، واثباتاً مع نفي ، فإذ تحمده بعلمه فلتسبحه عن علم من سواه ، عالم لا كسواه ، بعلم لا كسواه ، كما في قدرته وحياته كصفات ثلاث للذات ، كذلك وسائر الأفعال والصفات .
ولأن الصلاة هي خير موضوع للتسبيح بحمد الرب ، وأن لها كفريضة أوقاتٌ خصوص ، فلتكن الاوقاتُ الثلاثة « قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل » هي أوقاتها المفروضة لها وكما في آية أخرى : « وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل » ( 11 : 114 ) :
وعلّه بداية فرض الصلاة أنها كانت ثلاث « 1 » ومن ثم الإشارة إلى فرض الظهر في آية أخرى : « فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبلا غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى » ( 20 : 130 ) فأطراف النهار تشمل الطرف الوسط « الظهر » كما تشمل طرفي قبل الطلوع إلى القلب دنواً من سماعها وميلًا إلى قائلها ، العائش كل مسموع فيه الذكرى ، الذي يتذكر من « ذلك » : الذكريات ، من مصارع الغابرين ،
هامش
( 1 ) . الدر المنثور : اخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر عن جرير بن عبداللَّه عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله « وسبح . . . » قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل الغروب صلاة العصر