الأبعاد الفيزيائية والكيماوية ، ينتج أن الكون له بداية ، ولا بد للبادىء كونٌ خلاف كون المُبدِءِ ، لا والدٌ له ولا علةٌ غير إرادية أم محصورة ، بل هو خالقٌ خلق الشيء الذي كل الأشياء منه ، لا من شيء ولا من لا شيءٍ ، أجل وإن السير في الأرض هنا سير فطري وعقلي وعملي وحسي ، يفتح العين والقلب على كيان الكون ، لفتة عميقة إلى حقيقة أنيقة دقيقة حقيقيةٍ للإلتفات .
صحيح أن جل المخاطبين بهذا القرآن أو كلهم - سوى الرسول صلى الله عليه وآله وأهليه المعصومين عليهم السلام لم يكونوا ليعرفوا هكذا « كيف بدءَ الخلق » ولكن الذي يتمشى مع الدعوة القرآنية ككلِّ ، هو توجيه لكافة المكلفين منذ نزول القرآن إلى يوم الدين ، كلًا على قدَرَه ، حيث السير في الأرض آفاقياً وأنفسياً ، مما يبرهن « كيف بدءَ الخلق ثم اللّه ينشئ النشأة الآخرة » ، و « ان اللّه على كل شيء قدير »
و « يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ » 29 : 21 .
له المشية العادلة ف « يعذب من يشاء » والمشية الفاضلة « ويرحم من يشاء » وإليه لا إلى سواه « تقلبون » عن هذه الحياة الدنيا إلى الأخرى ، لا فقط قلباً لحياة إلى حياة ، بل وقلباً عن ظاهرها إلى باطنها ، وعن اختيارها إلى اضطرارها ، وعن أعمالها إلى نتائجها ، وعن كل ما تتطلبه الأولى ، إلى طلبات الأخرى « وللّه الآخرة والأولى » - « وردوا إلى اللّه مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون » ( 10 : 30 ) .
« وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزينَ فِي اْلأَرْضِ وَلا فِي السّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَلا نَصيرٍ » 29 : 22 .
« اليه تقلبون » شئتم أم أبيتم إذ أنتم لا تَغلبون « وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء » ربَّكم ، لا في الأولى ألّا تُقلبوا ، ولا في الأخرى ألّا تعذبوا ، فالأرض والسماء صيغة أخرى عن الكون كله هنا وهناك ، فلا تعجزون اللّه تفلتاً عن مُلكه : « يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلّابسلطان »
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 178
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٧٨