ومن العدل المقدم بالوعيد : « فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين » ( 38 : 859 فما يبدل هذا القول لدى اللّه ، فإنه يدخل كثيراً من الجن والإنس في الجحيم ، فما نصيب الجنة إلا قليل : « ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس » ( 7 : 179 ) فالجحيم تُملأ بهذا الكثير ثم تقول : « هل من مزيد » ؟ :
« يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد » : 50 : 30 حوار تحير العقول ، تمثل لنا تحقيق حق الوعيد ، لحدِّ كأن جهنم تتحدث بما تكدس من أجساد المجرمين فوق بعضهم ركاماً ، وياله من مشهد رهيب !
فليس ملؤ جهنم أن يجتمع فيها أهلوها ماشين أو جالسين وقائمين أو نائمين ، وإنما « هل من مزيد » حيت تكدسهم على بعض وتتركهم مع بعض بما يركم اللّه : « ويجعل الخبيث بعضه عى بعض فيركمه جمعياً فيجعله في جهنم . . » ( 8 : 37 ) .
فهم - إذاً - ركام في النار ، في دركاتها كلها ، ليس لهم في سجن الجحيم مجال التجوال ، ولا أي مجال ، فإنها لا تزال « تقول : هل من مزيد » ؟ وما مزيد الملئ إلا ركاماً هو الملأ الأكثر ، فهنا التجاوب بين آيات المِلىء وآية المزيد ، إذ تفسرهها آيات الركام ! .
ومن ثم نرى هناك على جنة مزدلفة لأهلها المزدلفين إليها غير بعيد :
« وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد » : 50 : 31 وقربت الجنة للمتقين حال انها غير بعيد ، فهي على قربها لهم تزلفت لهم تقريب التكريم التعظيم ، كيلا يتكلفوا طي مسافة إليها على قربها ، إذ تكلفوها يوم الدنيا فاقتربوا إليها بما يقربهم إلى اللّه زلفى .
« هذا ما توعدون لكل أوّاب حفيظ » 50 : 32 وعد حنون لكل اثم الأوبة
« ما يبدل القول لدي وما انا بظلَّام للعبيد » 50 : 29 والقول هنا يعني - فيما يعني - : كلمة العذاب : وقد قدمت إليكم بالوعيد » .
إن تبدُّل قول العذاب من اللّه - أياً كان - هو كثير ، فإن العبيد كثير ، واللّه هو العلام الكبير ، فاليسير منه كثير ، ان ظلماً وليس منه ، أو عدلًا وفضلًا وهما منه ، فلا يعني - إذاً - نفي
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 167
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٦٧