( 40 : 40 ) « وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به » ( 16 : 126 ) أو فضل : « فمن عفا واصلح » دون ظلم مُفرِط أو مُفَرَّط فاجره على الله » .
آية الجزاء ترسم ضابطة عادلة عامة في كافة الموازين ، فالمماثلة بين السيئة وجزائها قاعدة لا تستثنى ، اللهم إلا عفواً فيما يصلح ، أم لا يصلح ولا يفسد ، فهما إذاً من الفضل والأفضل ، وأما ان تربوا جزاء سيئة عليها ، فهذه الربوة ظلم من ايٍ كان وأياً كان وأيان ، إذاً فكيف يُفترى على أرحم الراحمين أنه يجازي بعض العصاة دون نهاية في الآخرة ، وهل هناك مماثلة بين سيئة محدودة في زمن محدود وأثر محدود من مسيء محدود ، وببن سيئة لا محدودة من إله رحيم غير محدود ؟ وأدنى المماثلة بين سيئة وسيئة مماثلة النهاية في سيئة محدودة في الكيف والأثر وإن لم يكم في الكم والزمن .
جزاء سيئة سيئة مثلها عدلًا ، وسيئة دونها أو عفو وإصلاح فضلًا ورحمة ، فإذا يأمرنا اللّه تعالى بالعفو عن السيئة إصلاحاً أم جزاءها المثل عدلًا فكيف يجازي هو ظلماً أن يخلِّد بسيئآتٍ أهلِها إلى غير نهاية ، وما هذا إلا كذب مفترى « سبحان اللّه عما يصفون » ! .
ثم المماثلة بين السيئة والجزاء والسيئة المجازى بها لا تقتضي إلّاإعتداءً بالمثل ، وليست هي إعتداءً ، وأما إذا كانت سيئة بنفسها دونما استثناء فلا ، فمن ضربك تضربه كما ضرب مراعياً كمَّه وكيفه ، وأما من زنى بحليلتك فليست جزاءه أن تزني بحليلته ، وإنما هي الحد المحدد له في الشرع ، والضابطة العامة هي أن السيئات المتعدية التي لا حّد لها في الشرع تجازى بمثلها ممن اسيىء إليه ، إذا لم يكن الجزاء محرماً ، وأما المحرمة كمثل اللواط والزنا والسباب والإضلال أم ماذا فلا ، وقد توحي « فمن عفى » أن السيئة هنا تعني ما تقبل العفو ممن أسيء إليه ، فلا تشمل إذاً مثل اللواط والزنا والضلال ، وإن شملت مثل القتل والسباب أم ماذا ؟ .
فإذا قال لك : أخزاك اللّه ، تقول له مثل قوله : أخزاك اللّه ، وإذا قال لك : أنت فاسق إهانة دون حجة ، تقول له : أنت فاسق جزاءً بحجة . . .
وأما إذا قذفك بما يوجب الحد ، فليس لك أن تقذفه حيث يوجب الحد ، وانما جزاءه إلى اللّه حيث سن حداً للقذف ، وكما إذا زنى أو لاط أم أساء سيئة من اضرابهما مما يوجب الحد
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 144
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٤٤