هناك شر البرية وهنا خير البرية ، وهنالك المتوسطون بين الفريقين على درجاتهم ، فلا أن أشرارهم يخلّدون في النار ، ولا أن أخيارهم يدخلون الجنة بغير حساب ، ومن خير البرية - وعلى حد قول الرسول الأقدس صلى الله عليه وآله - هو نفسه وعينه وخليفته في أمته عليٌ أمير المؤمنين عليه السلام « 1 » .
جنات عدن - أي : استقرار ومُقام دون خروج عنها : خلوداً أبدياً في الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات - كل الصالحات - خلوداً لكفرة أهل الكتاب والمشركين ، أبدياً للآخرين وغير أبدي للأولين ، وأبدية الخلود في النار لا تعني إلا البقاء مدى الحياة ، فسوف تموت النار وتخمد ، ويموت معها من فيها ، قبل أن يخرج منها من يستحق الخروج إلى الجنة .
« رضي اللّه عنهم » : لأنهم سلموا لأمره « ورضوا عنه » يوم الدنيا ويوم الآخرة ، إذ يرون فضله الدائم فوق التصور والحسبان « ذلك لمن خشي ربه » فالخشية هي خوف مع إعظام في القلوب ، كما الخشوع هو هو في القلب ، فالخشية تعمّ الإنسان قلباً وقالباً ، تعم كيان الإنسان ككل ، والنتيجة هي الإيمان عقائدياً وعملياً .
هذه هي سورة البينة دون زيادة ولا نقصان ، والزيادات الواردة في بعض الرويات
هامش
( 1 ) . الدر المنثور ج 6 ص 379 - أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت « إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية » فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي عليه السلام قالوا : جاء خير البرية ، وأخرجه ابن عساكر عن ابن عباس وابن مردودية عن علي عليه السلام ، وأخرجه ابن عساكر عن أبي سعيد الحذوي مرفوعاً ، وفي كتاب شواهد التنزيل للحاكم أبي القاسم الحسكافي قال أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ بالإسناد المرفوع إلى يزيد بن شراجيل عن علي عليه السلام مثله .
أقول : وهذا من قبيل الجري والتطبيق في المختلف فيه بين المسلمين ، إذا من الضروري أن الرسول صلى الله عليه وآله هو خير البرية قبل علي عليه السلام كما في اعتقادات الإمامية للصدوق قال النبي صلى الله عليه وآله أنا أفضل من جبرائيل ومكائيل وإسرافيل ومن جميع المقربين وأنا خير البرية من ولد آدم ( نور الثقلين ج 5 ص 645 ح 15 ) .
وثم بعد الرسول من رباهم بالوحي ، من خلفائه المعصومين ، كما في أصول الكافي عن طاهر قال كنت عند أبي جعفر عليه السلام فأقبل جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر عليه السلام هذا خير البرية ، أو « أخير » .
فكل واحد من القادة المعصومين هو خير البرية في زمنه كمنا هو الواجب للمصطفين الأخيار وكذلك أشياع القادة الخيرة هم خير الأشياع .