لما يريد » ( 11 : 105 - 107 ) . فإنها تقيد وتحدُ الخلود بدوام السماوات والأرض مرة ، ثم بأقل منه حسب مشيته اللَّه تعالى - أخرى .
وبعد هذه الدلالات القرآنية واللغوية لا نجد ما يعارضها دلالة على المكوث اللانهائي فلسفياً في النار ، لا كتاباً ولا سنة ولا عقلياً ، بل العقل حجة قاطعة على تزييف أسطورة اللا نهاية في العذاب ، فهل تجد عاقلًا مهما بلغ من الظلم والبريرية والوحشية والخشونة أن يحكم بعذاب اللا نهاية على من عصاه طوال عمره ؟ كلا ! فغاية الأمر تعذيبه لزمن ثم إعدامه بالمرة ، فماذا تظن إذاً برب العالمين الذي سبقت رحمته غضبه ، وليس عذابه انتقاماً ، وإنما جزاءً وفاقا ناتجاً عن ذات العمل ، إلى حيث يعتبر الجزاء نفس العمل : « فاليوم لا تظلم نفس شئياً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون » ( 36 : 54 ) .
ولأن العمل - أي عمل - محدود بطبيعة الحال ، زمنياً وفي كيانه وأثره ، فليكن الجزاء الذي لا يزيد عن العمل - بل هو نفس العمل بملكوته وذاته - ليكن ذلك الجزاء أيضاً محدوداً ومماثلًا له في السوء : « من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها » ( 40 : 40 ) .
فهل يا ترى أن اللا نهاية في عذاب الخالدين أبدياً - أنها الجزاء المثل الوفاق ، وهل إنها هي العمل بذاته ؟ فكيف بالإمكان عقلياً جعل المحدود غير محدود ، وكيف بالإمكان في عدل اللَّه تعالى أن يزيد على العمل السوء المحدود زيادة لا محدودة ولو أمكن عقلياً ؟ وكيف نسمح لا نفسنا كموحدين أن نظن هكذا ظلم وقساوة برب العالمين ؟ إن هذا إلا افتراء على اللَّه أن يخالف العقل والعدل والرحمة التي كتبها على نفسه ، وكتابه الدال على حدود العذاب .
إننا نصدق إمكانية اختلاف السيئة وعذابها في الزمن ، فلا اعتبار بالزمن ، فكم من عصيان في زمن قليل له من الأثر السوء ما لا يساويه إلا آلاف أضعافه من الزمن ، وكم من عصيان في زمن طويل يقل عن الأول بكثير ، فالحد الزمني ليس هو المقياس في حد العذاب ، وإنما الآثار هي المدار في الجزاء .
نحن نصدق هكذا اختلاف ولكننا نحيل الاختلاف بالنهاية في العصيان واللا نهاية في العذاب ، إحالة بسناد العدل والعقل والنقل .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 140
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٤٠