فاللغة تقول : ( الخلود هو تبري الشيء من اعتراض الفساد وبقائه على الحالة التي هو عليها ، وكلما يتباطاً عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوام بقاءها ثم استعير للمبقى دائماً ) « 1 » .
والقرآن يصدق القسم الأول من معناه : « إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن اللَّه كان عزيزاً حكيماً » ( 4 : 56 ) .
فلا يعني الخلود إلا طول المكوث ، أو أبد المكوث إذا كان أبدياً ، ووصف الخلود بالأبد أحياناً ، وتركه أخرى ، يشهد أنه ليس المكوثَ الأبد ، وكما أن الأبد لا يعني اللا نهاية الفلسفية ، وإنما البقاء طوال الحياة كما الآيات تشهد : « ولا تصلِّ على أجد منهم مات أبداً . ولا تقم على قبره » ( 9 : 84 ) « ولن يتمنون أبداً بما قدمت أيديهم » ( 2 : 95 ) « إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها » ( 5 : 24 ) « فقل لن تخرجوا معي أبداً ( 9 : 83 ) « لا تقم فيه أبداً » ( 9 : 108 ) فلا يعنى من الأبد هنا إلامدى الحياة ، هذه حال الأبد فكيف الخلود ؟
فهل يعقل أن الكافر - أي كافر - يزعم بقاءه على الأرض حياً لغير النهاية ، أو طوال عمر الأرض ؟ : « ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطاً » ( 7 : 176 ) « الذي جمع مالًا وعدَّده . يحسب أن ماله أخلده » ( 104 : 3 ) .
فهل نكذِّب القرآن هنا وهناك لكي نصدق زعم اللا نهاية الفلسفية في الخلود ، دون أيسناد ، إلا شهرة سوقية متحللة عن أي برهان ؟
فمن الخالدين فيالنار من يخرج منها بعد زمن طويل أو أطول حسب ما يستحقه من
هامش
( 1 ) . غريب القرآن للراغب ، وفي لسان العرب أن الخلود هو دوام البقاء في دار لا يخرج منها ، والابطاء عن الشيء كما يقال : خلد : أبطاً عنه الشيب ، ويقال للرجل إذا بقي سواد رأسه ولحيته على كبره : إنه لمخلد ، وللذي يسقط أسنانه من الهرم : مخلد ، والخوالد الجبال والصخور لطول بقاءها بعد دروس الاطلال ، وأخلد الرجل بصاحبه إذا لزمه