بنفسه لكان الصحيح أدبياً « حق » ثم لا يتم المعنى حيث يعني أن « الوزن حق » ثابت لا حِول عنه وأما ما هو ذلك الوزن فلا خبر عنه اللّهم إلّا « هو الحق » الخالص غير الكالس الفالس .
ولأن الخسران في التعارف إنما هو النقص في الأثمان ، وهو يخص الأموال لا النفوس ، فذكر الموازين هنا بثقلها وخفتها ، إنما هو بمناسبة الخسران ليكون الكلام متفقاً وقصص الحال متطابقاً ، فكأنه تعالى جعل نفوسهم لهم بمنزلة العَروض المملوكة إذ كانوا يوصَفون بأنهم يملكون أنفسهم كما يوصفون بأنهم يملكون أموالهم ، وذكر خسرانهم لها لأنهم عرضوها للخسار والبوار فأوجبوا لها عذاب النار جهنم يصلونها وبئس القرار ، فقد تجاوزوا حد الخسران في الأثمان إلى حد الخسران في الأعيان .
ووجه آخر هو أو الوزن لا يختص بالأثقال الجمسانية ، بل هو في الروحيات أوزن ، فالخسران فيها أخسر ، والربع أمتن ، فالحق - إذاً - أن « الوزن يومئذ الحق » .
وليس « الحق » هنا هو اللَّه ، إذ لو كان هو الميزان للموازين لم يك وزن لأحد حتى يوزن به ، إضافة إلى أن ميزانية اللَّه نفسه لموازين العباد ظلم بهم عظيم ، إذ لا يستطيع أحدٌ يشابهه في أيّ شأن من شؤونه ! .
ولا هو « حق » حيث القصد تعريف الوزن : ما هو ؟ لا تثبيت أصله دون معرفة بكيانه ، ثم « فمن ثقلت موازينه » تفرعاً على « الحق » لا دور له إلَّا بعد معرفة الحق بكيانه ، لا التأكُّد منه بكونه ، مع أنه حق لا فقط « يومئذٍ » بل في كل الأيام .
كما وليس « الوزن » هو الوزن مصدرياً حيث المصدر ليس هو « الحق » الواقع الموجود ، فإنما يخبر « الحق » عن واقع وهو هنا « الميزان » ، وليس هو الموزون حيث لا يوزن الموزون بالموزون .
فصالح المعنى الوحيد إذاً أن « الوزن » : الميزان - هو « الحق » المقرر من اللَّه لعباده ، وحياً كأصل ، ورسولًا كمصداق واقعي عملي للوحي ، وكما تعنيه « ونضع الموازين القسط ليوم
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 115
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١١٥