المحجة ، وهم أولاء ليسوا إلّا أنفسهم لو رجعوا « 1 » .
وذلك من خلفيات الإِختيار ، والدنيا على ضوءِه هي دار الإِختبار وليس الإِجبار بمشية الملك الجبار :
« وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنّي لأَمَلأَنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعينَ » ( 32 : 13 ) .
« لو » تحيل هذه المشية المسيِّرة إلى الهدى قضيةَ الحكمة في الإِختبار بالاختيار ، و « لآتينا . . . » تبيين لمشيئَته الطليقة بالنسبة لكل ممكن ذاتي ، ولكن في ذلك الإِيتاء خلاف الحكمة اللائقة بشأن الربوبية للمربوبين ، و « هداها » هي الهدى المطلوبة لكل نفس ، فحين تؤتى هداها دون سعي منها بطل التكليف والإِختبار ، مهما ظل الاختيار باقياً على الهدى المؤتاة لكل نفس أم لم يظل : « ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً » ( 10 : 99 ) وليس في ترك هذه المشية المسيِّرة تركٌ لبالغ الحجة و « للَّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين » ( 6 : 149 ) .
وترى أنه تعالى لم يؤت كل نفس هداها ؟ وقد هداها بمثلث الفطرة والعقلية والشرعة ! إنها ليست إلّا دلالات الهدى دون واقعها الحاصل بالاستدلال بها واقتفاء آثارها ، فالهدى الدلالة شاملة كاملة ، وواقع الهدى ليس إلّا لمن اهتدى ، و « هداها » إنما هي واقعها الذي لا يضل عنها مَهديها .
« ولكن » لم نشاء ولن ، بل « هديناه النجدين » - « من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر » ولأن الأكثرية الساحقة من المكلفين كافرون ، لذلك « حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 5 : 174 - أخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة قال سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول - إن اللَّه يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير يقول . . . ويقول : يا آدم إني لا أدخل أحداً من ذريتك النار ولا أعذب أحداً بالنار إلّا من قد علمت في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر ما كان فيه لم يراجع ولم يعتب . .