بقدرته ، فلا تعزب عن علمه ولا عن قدرته في النشآت الثلاث : دنياً وبرزخاً وعقبى ، بل و « يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم » وكالة ربانية أن يتوفاكم : أخذاً وافياً دون عزوب ولا غروب لكل أجزاءكم ، فمهما ضلت عامةً أو خاصةً عنكم وعن الآخرين ، ليس لتضلَّ عن رب العالمين ، بل ولا عن « ملك الموت الذي وكل بكم » ولا عن الملائكة الأعوان ، فاللَّه هو المتوفي أصلياً ، وملك الموت يتوفاكم فرعياً ، والملائكة الأعوان بفريقيهم يتوفونكم كأعوان لوكيل الأموات :
و ( هل يحس به أحد إذا دخل منزلًا أم هل راه إذا توفى أحداً ، بل كيف يُتوفى الجنين في بطن أمه ، أيلج عليه من بعض جوارحها ، أم الروح أجابته بإذن ربها ، أم هو ساكن معه في أحشائها ، كيف يصف إليه من يعجز عن صنعة مخلوق مثله ) ؟ « 1 »
ولقد يروى عن رسول الهدى صلى الله عليه وآله قوله ( الأمراض والأوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت ، فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه فقال : يا أيها العبد كم خبر بعد خبر ، وكم رسول بعد رسول ، وكم بريد بعد بريد ؟ أنا الخبر الذي ليس بعدي خبر ، وأنا الرسول أجب ربك طائعاً أو مكرَهاً ، فإذا قبض روحه وتصارخوا عليه قال : على من تصرخون وعلى من تبكون ، فواللَّه ما ظلمت له أجلًا ولا أكلت له رزقاً ، بل دعاه ربه ، فليبك الباكي على نفسه ، وإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منك أحداً ) « 2 » .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة عن الإِمام علي أمير المؤمنين عليه السلام
( 2 ) . نور الثقلين 4 : 225 عن المجمع روى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : وفيه عن الفقيه سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كيف يتوفى ملك الموت المؤمن ؟ فقال : إن ملك الموت ليقف من المؤمن عند موته موقف العبد الذليل من المولى فيقوم هو وأصحابه لا يدنو منه حتى يبدء بالتسليم ويبشره بالجنة » وفيه عن عوالي اللآلي - في الحديث ان إبراهيم عليه السلام لقى ملكاً فقال له من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت ، فقال : أتستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن ؟ قال : نعم أعرض عني فأعرض عنه فإذا شاب حسن الصورة حسن الثياب حسن الشمائل طيب الرائحة فقال : يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن إلّا حسن صورتك لكان حسبه ثم قال : هل تستطيع ان تريني الصورة التي تقبض فيها روح الفاجر ؟ فقال : لا تطيق فقال : بلى ، قال : أعرض عني فأعرض عنه ثم التفت اليه فإذا هو رجل أسود قائم الشعر منتن الرائحة اسود الثياب يخرج من فيه ومن مناخره النيران والدخان فغشي على إبراهيم ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى حالته الأولى فقال : يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر إلَّا صورتك هذه لكفته .
وفي الدر المنثور 5 : 173 - أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن منده كلاهما في الصحابة عن الخزرج سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : ونظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال يا ملك الموت أرفق بصاحبي فإنه مؤمن ، فقال ملك الموت طب نفساً وقر عيناً واعلم بأني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم فإِذا صرخ صارخ فمات في الدار ومعي روحه فقلت ما هذا الصارخ واللَّه ما ظلمناه ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره وما لنا في قبضته من ذنب فإن ترضوا بما صنع اللَّه تؤجروا وان تسخطوا تأثموا وتؤزوا وأن لنا عندكم عودة بعد عودة فالحذر الحذر وما من أهل بيت شعر ولا مدر بر ولا فاجر سهل ولا جبل إلا أنا اتصفحهم في كل يوم وليلة حتى أنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم واللَّه لو أردت ان اقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون اللَّه هو يأذن بقبضها