شرح
السفر مقدّمة لشغله واكتسابه .
وأمّا إن كان المراد من كون السفر عملا أنّ المسافرة والتردّد من بلد إلى بلد صار عملا وشغلا له ، مع قطع النظر عن كونه للاكتساب أو لا فلا فرق بين أن يكون السفر بنفسه اكتسابا وبين أن يكون مقدّمة للاكتساب ، وبين أن يكون السفر لا شغلا ولا مقدّمة للاكتساب ، كمن يكثر السفر ويذهب كلّ يوم أو كلّ جمعة إلى مسافة شرعية ؛ لزيارة مشهد أحد الأئمّة عليهم السّلام ، أو الأنبياء أو الشهداء أو الوالدين والأرحام ، أو كمن يكون دائرا أو غالبا في السفر ، لا للاكتساب ، بل لأجل التحقيق أو معرفة البلاد أو العلماء والرجال ، وغير ذلك من الدواعي المعنوية .
والظاهر هو المعنى الثاني ؛ أي صيرورة السفر عملا له ، كما يقال في العرف :
إنّ فلانا صار النوم عملا له ، أو الكتابة ، أو الكتابة ، أو إنشاء الشعر صار عملا له ، يراد منه أنّه كثير النوم ، أو كثير الكتابة ، أو كثير الشعر ، مع قطع النظر إلى أنّ كتابته ، أو إنشائه للشعر لأجل تحصيل المعاش والاكتساب ، أو غير ذلك .
ولعلّ القول باختصاص الحكم بمن يكون السفر شغلا له لتوهّم أنّ كلمة « العمل » في قوله عليه السّلام : « لأنّه عملهم » بمعنى الشغل والاكتساب ، وهذا خلاف للمعنى الموصوع له كلمة « العمل » ؛ لأنّ العمل عبارة عن مطلق الفعل الذي يصدر من الإنسان ، وليس معناه الحرفة أو الاكتساب ، وهو يستعمل في الأعمال الصالحة والسيّئة ، كما في قوله تعالى : الّذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وقوله تعالى :
الّذين يعملون السيّئات لهم عذاب شديد . ولمزيد من الاطّلاع راجع موارد استعمال مادّة « العمل » في الكتاب والسنّة .
والشاهد على عدم اختصاص الحكم بمن يكون السفر بنفسه شغلا واكتسابا له أنّ بعض العناوين المذكورة في معتبرة إسماعيل بن أبي زياد لسيست شغلا