شرح
المسلم بما هو هو من غير أن يعمل بما هو واجب عليه ويجتنب عمّا هو حرام عليه يكون عادلًا ، بل مراده من ذلك إنّ مقتضى الأصل الأولي في المسلم اتيانه بالوظائف الشرعية ، فلو لم يعلم منه الفسق يكون عادلًا ، وذلك يكون كاشفاً وأمارة عن انه كذلك حقيقةً وباطناً ؛ لانّ احراز الواقع غير ممكن غالباً بحيث يوجب تعطيل كثير من الاحكام ، فجعل الشارع عدم العلم بالفسق دليلًا على العدالة . وهذا القول أيضاً يرجع في الحقيقة إلى القول الخامس وإلى سائر الأقوال .
وكذلك القول الثاني لا يقول بانّ مجرّد ترك المعاصي أو خصوص الكبائر بما هو هو من دون ان يكون مستنداً إلى نداء باطنه من لزوم طاعة الله يدل على العدالة ، فلو ترك شخص الكبائر لأجل عدم قدرته عليها أو لعدم الابتلاء بها أو تركها لا لداع الهي بل رياءً أو لداع نفساني آخر ، فلا يقول أحد بعدالته بمجرد الترك . فمراد القائل بهذا القول إنّ ترك الكبائر حيث يكون كاشفاً غالباً عن كون الشخص ملتزماً بالشرع مطيعاً لله سبحانه ، فيكون أمارة لعدالته وحسن باطنه .
ومرجع القول الأول والثالث إلى أمرٍ واحد وهو كون العدالة ملكة وان اختلفا من حيث الاسناد إلى السبب أو المسبّب ، ولا يهمّ ذلك في المقصود .
والحاصل إنّ جميع الأقوال مع اختلاف تعابيرها ترجع إلى أمرٍ واحد وهو ان العدالة عبارة عن قيام الشخص بوظائفه الشرعية بحيث يكون قيامه بذلك معلولًا لداعٍ الهي في النفس وشوقاً إلى طاعة الله والتقرب اليه . فالعدالة تتحقّق من جزئين الأوّل العمل بما هو واجب . والجزء الثاني الحالة الثابتة في النفس الراغبة الباعثة إلى طاعة الله سبحانه المنزجرة الرادعة عن معصيته ، فمع انتفاء أحد