بكى من فراق الحيّ قيس بن منقذ
وإذراء عيني مثله الدمع شائع [ 1 ]
بأربعة تنهلّ لمّا تقدّمت
بهم طرق شتّى وهنّ جوامع [ 2 ]
وما خلت بين الحيّ حتى رأيتهم
ببينونة السفلى وهبّت سوافع [ 3 ]
/ كأن فؤادي بين شقّين من عصا
حذار وقوع البين والبين واقع
يحثّ بهم جاد سريع نجاؤه
ومعرى عن الساقين والثوب واسع [ 4 ]
فقلت لها يا نعم حلَّي محلَّنا
فإن الهوى يا نعم والعيش جامع [ 5 ]
فقالت وعيناها تفيضان عبرة
بأهلي بيّن لي متى أنت راجع ؟
فقلت لها تاللَّه يدري مسافر
إذا أضمرته الأرض ما اللَّه صانع
فشدّت على فيها اللثام وأعرضت
وأمعن بالكحل السّحيق المدامع [ 6 ]
وإني لعهد الودّ راع ، وإنّني
بوصلك ما لم يطوني الموت طامع
قال أبو عمرو : فأنشدت عائشة بنت طلحة بن عبيد اللَّه هذه القصيدة ، فاستحسنتها وبحضرتها جماعة من الشعراء . فقالت : من قدر منكم أن يزيد فيها بيتا واحدا يشبهها ويدخل في معناها فله حلَّتي هذه ، فلم يقدر أحد منهم على ذلك .
شعره في مشوقته نعم
قال أبو عمرو : وقال قيس أيضا يذكر بين الحيّ وتفرقهم وينسب بنعم :
سقى اللَّه أطلالا بنعم ترادفت
بهن النّوى حتى حللن المطاليا [ 7 ]
فإن كانت الأيام يا أمّ مالك
تسلَّيكم عنّي وترضي الأعاديا
فلا يأمنن بعدي امرؤ فجع لذّة
من العيش أو فجع الخطوب العوافيا [ 8 ]
هامش
- أنشده الفارسي في البصريات :« فأيهما ما أتبعنّ فإنني
حزين على ترك الَّذي أنا وادع «وهكذا روى الشطر الأوّل في نسخة ج ، وفي ب ، س « فأيهما منها اتبعت » .
[ 1 ] هذا البيت من قول حبيبته بدليل « وإذراء عيني مثله » والظاهر أنه قد سقط قبله من الرواية بيت أو أكثر ، أذرت العين الدمع إذراء : صبته .
[ 2 ] بأربعة ، أي بأربع أعين وهي عيناه وعيناها . وانهلت العين : سالت بالدمع .
[ 3 ] البين : الفراق . وبينونة : موضع بين عمان والبحرين ، وهما بينونتان : بينونة الدنيا وبينونة القصوى ، وكلتاهما في شق بني سعد بين عمان ويبرين ، وفي الأصول « وهن » ومكان « وهبت » ؛ وهو تحريف . السوافع : لوافح السموم ، سفعته الشمس والسموم : لفحته لفحا يسيرا فغيرت لون بشرته وسوّدته .
[ 4 ] النجاء : السرعة في السير .
[ 5 ] في ج « خلي » وهو تصحيف .
[ 6 ] أمعن الماء : سال وجرى .
[ 7 ] المطالي : الأرض السهلة اللينة تنبت العضاه ، واحدتها مطلاء على وزن مفعال . وهي مؤنثة لا غير . أطلالا جمع طلل ، وطلل كل شيء شخصه . ترادفت : تتابعت عليها الرحلة .
[ 8 ] العوافي : جمع عافية وهي الطامسة .