فلمّا أصبح الحسين ( ع ) عبّأ أصحابه وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلًا ، فجعل الميمنة لزهير والميسرة لحبيب ، وأعطى أخاه العباس الراية وجعل البيوت خلف ظهورهم وعمل خندقاً وراءها فأحرق فيه قصباً وحطباً لئلّا يؤتى من خلف البيوت . وأصبح عمر بن سعد فعبّأ أصحابه ، وقد بلغوا إلى ذلك اليوم ثلاثين ألفاً ، فجعل الميمنة لعمرو بن الحجّاج ، والميسرة لشمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عزرة بن قيس « 1 » ، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي ، وأعطى مولاه دريداً الراية « 2 » . فلمّا نظرهم الحسين رفع يديه داعياً وقال : « اللهمّ أنت ثقتي في كلّ كربٍ ، وأنت رجائي في كلّ شدّةٍ وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقةٌ وعدّة ، كم من همّ يضعفُ فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذلُ فيه الصديق ، ويشمتُ فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبةً منّي إليك عمّن سواك ؛ ففرّجته عنّي وكشفته ؛ فأنت وليّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة » . « 3 » ثمّ دعا براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته : « يا أهل العراق - وجلّهم يسمع - إسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحق لكم عليّ وحتّى أعتذر إليكم في مقدمي هذا وأعذِر فيكم ، فان قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد ، وإن لم تقبلوا منّي العذر ولم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليّ ولا تُنظِرون ، إنّ وليي اللَّه الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين » « 4 » . فأنصتوا بعض الإنصات . فحمداللَّه وأثنى عليه وذكره بما هو أهله من المحامد وصلّى على نبيّه محمد ( ص ) وعلى ملائكته وأنبيائه بأحسن ما يجب ، فلم يُر متكلّم قط أبلغ منه لا قبله ولا بعده ، ثمّ قال : « أما بعد فانسبوني من أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألست ابن بنت نبيّكم ،
إبصار العين في أنصار الحسين (ع) (ط. زمزم هدايت) — صفحة 38
مساهمون: الشيخ محمد جعفر الطبسي
ص٣٨
هامش
( 1 ) . في الإرشاد : عروة بن قيس .
( 2 ) . الإرشاد : 2 / 95 .
( 3 ) . الإرشاد : 2 / 96 .
( 4 ) . الإرشاد : 2 / 97 .